


عدد المقالات 122
مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية والدولية، واعتمدت في حركتها على الحوار والوساطة وبناء العلاقات مع أطراف مختلفة، وفي الوقت نفسه اتخذت مواقف واضحة تجاه عدد من قضايا الشعوب العربية والإسلامية. وقد تداخل هذا النشاط السياسي مع عمل إنساني وتنموي اتسع تدريجياً، حتى أصبحت الوساطة والمساعدات الإنسانية من أبرز مجالات الحضور القطري خارج حدود الدولة.
دبلوماسية تقوم على الحوار والوساطة
أدرك الأمير الوالد أن الدولة الصغيرة من حيث المساحة والسكان تستطيع أن توسع دورها إذا بنت علاقات متوازنة، وحافظت على استقلال قرارها، وامتلكت القدرة على التواصل مع أطراف يصعب جمعها في مكان واحد. ومن هنا تطورت في عهده سياسة خارجية أبقت قنوات الاتصال مفتوحة مع دول وقوى متباينة، وأتاحت للدوحة أن تدخل وسيطاً في عدد من النزاعات.
ولم تكن الوساطة بالنسبة إلى قطر مجرد استضافة اجتماعات أو توفير مكان للمفاوضات، فقد احتاج هذا الدور إلى بناء الثقة مع الأطراف المتنازعة، والاستعداد للاستماع إليها، وتقديم مقترحات يمكن أن تشكل أرضية للتفاهم، ثم المساهمة، في بعض الحالات، في معالجة الآثار الإنسانية والتنموية التي خلفتها النزاعات.
وكان لبنان من أبرز النماذج على ذلك. فبعد حرب يوليو 2006 والعدوان الإسرائيلي الذي ألحق أضراراً واسعة بالجنوب اللبناني ومناطق أخرى، اتخذ الأمير الوالد موقفاً واضحاً في رفض العدوان، وزار لبنان بعد الحرب، كما شاركت قطر في جهود إعادة إعمار عدد من البلدات المتضررة. وقد حمل هذا الحضور معنى سياسياً وإنسانياً في وقت واحد، إذ لم يقتصر الموقف على التضامن السياسي، وإنما ارتبط بالمساهمة في إعادة بناء ما دمرته الحرب.
وعندما دخل لبنان بعد ذلك في أزمة سياسية داخلية حادة، قادت قطر جهود الوساطة التي انتهت إلى اتفاق الدوحة في 21 مايو 2008. وقد ساعد الاتفاق على إنهاء المواجهات المسلحة التي شهدتها البلاد، ومهد لانتخاب الرئيس ميشال سليمان وتشكيل حكومة وحدة وطنية. وأظهرت هذه التجربة أن نجاح الوساطة يحتاج إلى القدرة على الحديث مع جميع الأطراف، حتى عندما تكون الخلافات بينها شديدة.
وفي السودان، استضافت الدوحة مفاوضات طويلة بشأن النزاع في دارفور، بالتعاون مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وانتهى هذا المسار إلى توقيع وثيقة الدوحة للسلام في دارفور عام 2011. ولم يتوقف الدور القطري عند التفاوض، بل ارتبط بمشروعات للتنمية وإعادة الإعمار ودعم المجتمعات المتضررة، انطلاقاً من أن السلام يحتاج إلى تحسين حياة الناس وإعادة الخدمات وتوفير أسباب الاستقرار.
كما بذلت قطر جهوداً للوساطة في اليمن قبل اتساع دائرة الحرب، وسعت إلى تقريب وجهات النظر بين الحكومة والحوثيين في مراحل مختلفة. وعلى الرغم من أن تلك المحاولات لم تنجح في الوصول إلى تسوية دائمة بسبب تعقيدات الأزمة، فإنها كانت جزءاً من توجه دبلوماسي اعتمد الحوار وسيلة أساسية لمعالجة النزاعات.
عندما لم تكن الوساطة كافية
إلى جانب دور الوسيط، اتخذ الأمير الوالد في بعض القضايا موقفاً أكثر وضوحاً في دعم حقوق الشعوب وتطلعاتها، خاصة عندما تحولت الأزمات السياسية إلى مواجهات واسعة وسقط المدنيون ضحايا للعنف. ففي ليبيا، كان الموقف القطري واضحاً؛ إذ دعمت الدوحة التحرك العربي والدولي لحماية المدنيين بعد تصاعد المواجهة بين نظام معمر القذافي والقوى المعارضة له عام 2011، وساندت المجلس الوطني الانتقالي، وشاركت في الجهود السياسية التي رافقت سقوط النظام. وقد استمر اهتمام قطر بالشأن الليبي بعد ذلك، مع التأكيد على وحدة البلاد والحاجة إلى بناء مؤسسات الدولة والوصول إلى تسوية سياسية تنهي سنوات الانقسام.
سوريا... موقف استمر رغم تغير الظروف
كان الموقف من سوريا من أبرز مواقف السياسة الخارجية القطرية في السنوات الأخيرة من عهد الأمير الوالد. فقد كانت العلاقات بين الدوحة ودمشق قبل عام 2011 جيدة سياسياً واقتصادياً، لكن التعامل العنيف مع الاحتجاجات الشعبية أدى إلى تغير تدريجي في الموقف القطري، من الدعوة إلى الإصلاح ووقف العنف إلى دعم مطالب الشعب السوري ومساندة المعارضة سياسياً وإنسانياً.
واستضافت الدوحة في نوفمبر 2012 اجتماعات المعارضة السورية التي انتهت إلى تشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، ثم شهدت القمة العربية التي عقدت في الدوحة في مارس 2013 مشاركة ممثلي المعارضة السورية في مقعد سوريا. وقد عبّر ذلك عن موقف سياسي واضح تبنته قطر تجاه الأزمة السورية.
وفي الوقت نفسه، امتد الدعم إلى المجال الإنساني، من خلال المساعدات المقدمة للاجئين والنازحين ودعم الغذاء والتعليم والصحة والإيواء. وقد استمرت دولة قطر بعد انتقال الحكم إلى سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في موقفها من القضية السورية، ثم كانت من الدول التي تحركت لدعم استقرار سوريا ووحدتها وإعادة تأهيل عدد من قطاعاتها بعد التحولات التي شهدتها البلاد في أواخر عام 2024.
فلسطين في صدارة قضايا الأمة
كانت القضية الفلسطينية من أكثر القضايا حضوراً في سياسة الأمير الوالد، رحمه الله، وقد جمع الموقف القطري تجاهها بين الدعم السياسي والمساعدة الإنسانية والمشروعات التنموية.
وكانت زيارة الأمير الوالد إلى قطاع غزة في 23 أكتوبر 2012 من أبرز المحطات في هذا السياق، إذ جاءت في ظل الحصار المفروض على القطاع، وأعلنت قطر خلالها حزمة من مشروعات إعادة الإعمار بقيمة بلغت نحو 407 ملايين دولار. وشملت المشروعات الإسكان والطرق والبنية الأساسية والخدمات، وتطور العمل القطري في غزة لاحقاً ليشمل مجالات الصحة والتعليم والإعمار.
وكان لهذا النهج دلالة مهمة؛ فدعم الشعب الفلسطيني لم يبق محصوراً في المواقف السياسية، وإنما انتقل إلى مشروعات تمس حياته اليومية. فالإنسان الذي يعيش تحت الاحتلال والحصار يحتاج إلى جانب الدفاع عن حقوقه الوطنية، إلى مسكن ومدرسة ومستشفى وطريق ومصدر للمياه والكهرباء، ولهذا ارتبط الحضور القطري في غزة بمشروعات بقي أثر كثير منها قائماً لسنوات.
العمل الإنساني امتداد للمسؤولية الخارجية
اتسع خلال عهد الأمير الوالد نشاط المؤسسات الخيرية والإنسانية القطرية، وفي مقدمتها قطر الخيرية والهلال الأحمر القطري، إلى جانب مؤسسات ومبادرات أخرى عملت في مناطق مختلفة من العالم. وتنوعت المشروعات بين الإغاثة العاجلة وبرامج التنمية طويلة المدى، وشملت بناء المدارس والمراكز الصحية والمساجد، وحفر الآبار وتوفير المياه، وإنشاء المساكن والقرى، وكفالة الأيتام، ودعم المشروعات الزراعية والمهنية ومصادر دخل الأسر.
وفي السودان ودارفور، ارتبط جانب من العمل الإنساني بجهود السلام وإعادة الاستقرار، من خلال مشروعات المياه والتعليم والصحة والإسكان والتنمية المحلية. وفي الصومال، تركز العمل على مواجهة آثار الجفاف والفقر، وحفر الآبار، وبناء المدارس والمراكز الصحية، ورعاية الأيتام، ودعم بعض المشروعات الإنتاجية التي تساعد الأسر على امتلاك مصدر مستمر للدخل.
وفي اليمن، امتدت المساعدات إلى مجالات الغذاء والمياه والصحة والتعليم ودعم الفئات المتضررة، بينما شهد العراق مبادرات مرتبطة بالتعليم وإعادة بناء القدرات البشرية بعد سنوات الحرب. وفي دول أخرى من آسيا وأفريقيا، أسهمت المؤسسات القطرية في إنشاء مدارس ومساجد ومراكز صحية وآبار ومشروعات صغيرة، وهو ما أضاف إلى الحضور الدبلوماسي للدولة بعداً إنسانياً مباشراً.
وكانت الفكرة التي أخذت تتبلور في هذا العمل أن الإغاثة ضرورية لإنقاذ الإنسان في وقت الأزمة، لكنها لا تكفي وحدها لإعادة بناء حياته؛ ولذلك اتجهت بعض البرامج إلى التعليم والزراعة والمياه والإسكان والمشروعات الإنتاجية، بما يساعد المجتمعات على الانتقال تدريجياً من الحاجة إلى المساعدة إلى القدرة على الاعتماد على نفسها.
من أفغانستان إلى دور دولي مستمر
ومن الملفات التي تعكس استمرارية النهج الدبلوماسي القطري الملف الأفغاني. ففي يونيو 2013، قبيل انتقال الحكم بأيام، افتتح في الدوحة المكتب السياسي لحركة طالبان بهدف توفير قناة للحوار حول مستقبل أفغانستان. وقد تطور هذا المسار في عهد سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وصولاً إلى توقيع اتفاق الدوحة بين الولايات المتحدة وطالبان في فبراير 2020، ثم الدور القطري في عمليات الإجلاء والمساعدات الإنسانية بعد تطورات عام 2021.
ومن المهم هنا التمييز بين ما تحقق في عهد الأمير الوالد وما تطور بعده؛ فقد وضعت مرحلته جانباً مهماً من الأسس التي قامت عليها دبلوماسية الوساطة القطرية، بينما توسعت هذه السياسة في العهد التالي ودخلت ملفات جديدة أكثر تعقيداً. وهذا الاستمرار يبين أن الوساطة لم تبق مرتبطة بشخص الحاكم، وإنما تحولت مع الوقت إلى أحد المسارات المعروفة في السياسة الخارجية القطرية.
الخلاصة
جمعت السياسة الخارجية القطرية في عهد الأمير الوالد، رحمه الله، بين مسارات لم تكن متطابقة دائماً؛ فقد كانت قطر وسيطاً في بعض النزاعات، واتخذت موقفاً واضحاً إلى جانب بعض الشعوب في قضايا أخرى، وربطت حضورها السياسي بعمل إنساني وتنموي امتد إلى دول كثيرة. وقد واصل سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني جزاه الله خيراً، هذا المشروع ووسع مجالاته، لتصبح الوساطة والعمل الإنساني ودعم الحوار من أبرز ملامح الحضور القطري في عدد من الملفات الإقليمية والدولية.
الحضارة في هدي القرآن ليست أبنية شامخة، ولا ثروة متراكمة، ولا قوة تمكّن أصحابها من الغلبة وحدها؛ إنها ثمرة الإنسان حين يعرف ربه، ويدرك غاية وجوده، ويحسن القيام بالأمانة التي حملها. ولهذا لم يترك الله...
لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء...
لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...
حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...
أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...
كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...
لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...
ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...
شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...