الثلاثاء 8 ربيع الأول / 04 أكتوبر 2022
 / 
10:02 م بتوقيت الدوحة

قطر ونهجها الجديد في مسيرة البناء وتعزيز سياستها وأمنها

فالح الهاجري

ليس نهجا عفويا أو حالة سياسية متأزمة فرضتها الظروف المحلية والإقليمية والدولية على دولة قطر، وإنما هو مشروع وبرنامج عمل سياسي متكامل اعتمده القيادة الحكيمة وفي قمة هرمها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، على اعتبار أن مسيرة البناء والتنمية لا تأتي دفعة واحدة وإنما تراكمية وشاملة لجميع مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية والثقافية والفكرية والعلمية والأمنية. 
«سياستنا الخارجية تستهدف الجمع بين وجهات النظر المختلفة ومساعدة جميع الأطراف ولعب دور المُيسر في المنطقة وخارجها» هذا ما جاء في مقابلة سمو الأمير مع صحيفة لوبوان الفرنسية، وبكل تأكيد أثبتت دولة قطر التزامها الأخلاقي والدبلوماسي والإنساني مرتكزة على مجموعة من المبادئ المجملة في دستورها، وتتمثل أولويات سياستها الخارجية في الوساطة في النزاعات وتعزيز التنمية المستدامة والحد من التمييز ضد النساء والأقليات الدينية وتعزيز المساعدات الإنسانية في مناطق الحروب والنزاعات وتأسيس تحالفات على أساس الاحترام والندية، ونبذ القوة والإكراه ومكافحة الإرهاب وإرساء ثقافة التعايش ووقوفها ضد من يشّوهون صورة الإسلام وينشرون الطائفية، ومعالجة تحديات الفقر والبطالة والأمية في العالم. 
لدى دولة قطر سجلا طويلا وحافلا بالنجاحات في مجال الوساطة في النزاعات، فالجهود القطرية في رأب الصدع وحل النزاعات الطويلة من أفغانستان إلى تشاد والصومال وليبيا والتوسط في الملف النووي الإيراني، وتنفيذ برنامج المساعدات الخاصة بها في دعم منظمات الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية في مجالات التنمية والإغاثة والإعمار، وتوقيع اتفاقات مع الأمم المتحدة كان آخرها عام 2018م، جعل قطر سادس أكبر مانح عالميا للأمم المتحدة، وتضمن الاتفاق تقديم دعم سنوي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، والمفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
آخر الجهود الدبلوماسية المبذولة لحل الأزمات، أطلقت الدوحة مبادرة للمصالحة بين الأطراف الليبية لبناء مرحلة للانتقال السلمي وإجراء توافق بدعوة أطراف ليبية متعددة للدوحة في الأسبوع الماضي، وجاءت زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للدوحة يومي الثالث عشر والرابع عشر من شهر سبتمبر الحالي تتويجا لتلك الجهود وعودة العلاقات بين الدولتين الشقيقتين، فالزيارة اكتسبت أبعادا سياسية واقتصادية وأمنية، إذ فتحت مباحثات القمة القطرية المصرية ومذكرات التفاهم التي تم التوقيع عليها في الدوحة أمام البلدين آفاقا جديدة لتوسيع وتطوير التعاون في مختلف المجالات وتعزيز العمل العربي والدولي المشترك. وهذا بالتزامن مع الترتيبات والاستعدادات الخاصة باستضافة بطولة كأس العالم فيفا قطر 2022م. 
زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للدوحة تمثل مرحلة جديدة في مسار العلاقات الثنائية، وخدمة أمن المنطقة ومصالح الأمتين العربية والإسلامية سيما أن البلدين يشكلان ثقلا إستراتيجيا مهما في قضايا عدة، وشكلت مذكرات التفاهم الاقتصادي بادرة خير في إنعاش الاقتصاد في مصر وتوفير فرص استثمارية للصندوق السيادي لدولة قطر، ووقعت عدة مذكرات تفاهم في مجال مشروعات الطاقة ورفع حجم التبادل التجاري وتسهيل الاستثمارات وإزالة العوائق التي قد تحول دون ذلك. 
وعلى المستوى الداخلي، جاء مشروع القرار الأميري بإنشاء وتنظيم مكتب الإعلام الخارجي ليتبع وزير الخارجية وتكون له شخصية معنوية وموازنة تلحق بموازنة وزارة الخارجية بهدف نقل صورة دقيقة عن دولة قطر، وتسليط الضوء على أولويات ورؤية قطر الوطنية، فتنظيم السياسة الخارجية في مكتب تنسيقي تابع للوزارة خطوة جديدة تلزمها قطر في زحمة تشابك مصالحها وأعمالها وعلاقاتها وتحالفاتها وتدخلها في ملفات كثيرة، هذا في وقت أطلقت دولة قطر شعارها المحدَّث، فشعار قطر السابق يتكون من ترس دائري أصفر يحوي سيفين عربيين بنيين متقاطعين يحيطان بأمواج زرقاء تعلوها سفينة تقليدية وجزيرة مع نخلتين ترمز للبلاد، وهو الشعار المعتمد للدولة منذ عام 1976م، بينما الشعار المحدث فيه شجرة النخيل، وهي رمز وطني للسخاء والعطاء والكرم، فيما يرمز المركب في الشعار المحدث لمركب تقليدي قطري، وأيضا هناك السيف، كرمز للشجاعة والعزة المرتبطة بحكمة صاحبه، ووجود البحر في الشعار كأحد أبرز رموز التراث القطري، وذلك لأن البحر وصيد الأسماك واللؤلؤ ركيزة الاقتصاد القطري قبل البترول. 
الشعار المحدث لدولة قطر تعبير واضح عن مرحلة نحو المستقبل، وهو شعار يعكس الثقافة الوطنية، ورحلة قطر عبر تاريخها الحديث وإبراز هويتها محليا وإقليميا ودوليا، وهو ما جاء في تصريح مكتب الاتصال الحكومي «يسهم ماضينا إسهاما كبيرا في تشكيل حاضرنا... ورحلة الشعار الوطني لدولة قطر شهادة في الحفاظ على تراثنا، ورحلة ممتدة نحو التطور والمستقبل». 
وبذلك ترسم قطر نهجها الجديد في مسيرة البناء والتنمية والشراكات الإستراتيجية، والحرص على تأمين الاستقرار والسلم العالميين، في مقابل تأكيدها على أهمية إبراز هويتها الثقافية وعمقها التاريخي ودورها المؤثر في عالم متجدد يوما بعد يوم.

  @falehalhajeri