


عدد المقالات 269
تحدثنا في مقال الأسبوع الماضي حول مآلات الدولة العربية في أعقاب الربيع العربي، واليوم نستكمل حديثنا حول تصور الدولة الحديثة الذي يقدمه أنصار التغيير عربيا، منذ نهايات الحرب العالمية الثانية كانت الدولة المدنية هي البديل الذي يطرح للملكية الشاملة والأنظمة التقليدية، هذا البديل وإن كان نظريا تحقق مع ظهور الجمهوريات العربية إلا أنه لم يتبلور على الأرض، هذه الجمهوريات خرجت بشكل مشوه كانقلابات عسكرية أو دول شمولية بغطاء جمهوري، ومع الموجة الأخيرة من المطالبات بالتغيير التي بدأت مع القرن الجديد رُفع مكررا شعار الدولة المدنية الديمقراطية كبديل طرحته كل القوى السياسية المعارضة الإسلامية والمدنية، وطُرح هذا البديل على أنه سبيل الخلاص والطريق إلى تنمية شاملة مستدامة في الوطن العربي. بعد الربيع العربي ظهرت نماذج ديمقراطية إلى الوجود، عربيا لم يصمد منها إلا النموذج التونسي والمغربي جزئيا، هذان النموذجان يقعان الآن تحت المجهر بانتظار ما يفرزانه، النموذج الأول ديمقراطي مكتمل الأركان، والآخر مختلط ما زال الملك يتمتع فيه بصلاحيات واسعة في ظل حكومة أغلبية برلمانية، التجارب الأخرى الليبية واليمنية والمصرية دفعت بالعديد من المراقبين إلى التفسير البعدي المشوه، الذي يقول إن التغيير السلمي غير ممكن وإن التجربة الديمقراطية العربية أثبتت فشلها، بطبيعة الحال هذا تفسير مبني على تجربة واقعية محدودة كماً وكيفاً، فلم تتحقق لا في اليمن ولا في مصر ولا سوريا تجربة ديمقراطية يمر فيها التداول السلمي للسلطة حتى نستطيع تقييم التجربة، وفي مقابل أولئك ما زال مؤيدو الربيع يكررون شعارات ما قبل الربيع بأن الديمقراطية هي الحل السحري لكل مشاكل الأمة، لا شك أن التحول إلى أنظمة أكثر تشاركية سيسهم في تعزيز حكم القانون وفرص التنمية، لكن لا بد أن نكون كذلك على وعي بأن عملية التحول الديمقراطي لا يمكنها بمفردها تحقيق تحول اجتماعي سياسي مستقر شامل. تشير دراسة أنجزها مجموعة من الباحثين الأميركيين، قيمت تجارب التحول إلى الديمقراطية خلال النصف الثاني من القرن الماضي، إلى أن الديمقراطية لا يمكن اعتبارها طريقا حتميا نحو الاستقرار والتنمية المستدامة، بل يؤكد الباحثون أنه عند مقارنة الدول التي خاضت التحول الديمقراطي بتلك التي أبقت على شكل من أشكال الحكم الشمولي لم يجدوا للديمقراطية فضلا على الحكم الشمولي من حيث النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي، لكن هذا لا يعني أن الديمقراطية فاشلة بالمطلق، هو فقط يشير إلى أن توهم أن الديمقراطية هي الحل الشامل السحري لا يوجد ما يدعمه من حيث التجربة، أي أن الديمقراطية كنظام للحكم لا تؤدي بالضرورة إلى نمو في كل الأصعدة ولا تبشر باستقرار أبد الدهر، لكنها بلا شك أفضل وسيلة لتحقيق التشاركية والتداول السلمي للسلطة، كما أن التجربة البشرية لم تعرف حتى اليوم طريقا آخر يضمن استمرارا لتحقيق العدالة بشكل شامل، وكما قال أحدهم يوما: "الديمقراطية هي أسوأ نظام للحكم، إذا ما استثنينا كل الأنظمة الأخرى"، أي لها علاتها، لكنها تبقى أفضل من غيرها. إذن، هل الدولة العربية صامدة بشكلها الحالي أم أنها مرشحة للانهيار لصالح دولة مدنية حديثة؟ ليست هناك في الحقيقة إجابة شافية، لكن الواقع يشير إلى أن هناك نمطين من التحول يواجهان مختلف الدول العربية ويتصفان بشيء من الحتمية، التحول التدريجي وتزداد احتماليته في الملكيات المستقرة، يتسم بمد وجزر بين السلطة المطلقة للحاكم والتنازل عن صلاحيات جزئية للسلطة التشريعية، هذا النموذج وإن كان طويل الأمد في التغيير إلا أنه الأنجع في التجربة التاريخية عربيا وعالميا، والأقل في الخسائر، وهذا الاختيار غير متاح في ظل الأنظمة الجمهورية الشمولية خاصة العسكرية منها، التي تعتمد فيها المؤسسة الحاكمة على حالة القهر ودوائر المصالح السياسية لاكتساب شرعية غير موجودة، فبينما تتمتع الأسر المالكة بحالة عامة توافقية حول شرعيتها وإن واجهت معارضة لبعض الممارسات هنا وهناك، تفتقر الأنظمة العسكرية إلى هذه الحالة التوافقية وتكاد تعتمد بشكل كلي على التخويف من بديل الفوضى وإيثار حالة الاستقرار السلبي والدعم الدولي لها من خلال تحقيقها لأجندات خارجية على حساب المحلية، هذه الأنظمة مرشحة لحالة عدم استقرار، لكن لثبات طويلة، بين كل فترة وأخرى تزداد وتيرة الاحتجاجات على الممارسات الأمنية والفساد، لكنها تخبو مع القمع أو مع تحقيق مكاسب جزئية، وحسب المعطيات الحالية لا يتصور أن تسقط هذه الأنظمة بالكلية إلا لصالح حالة مقاربة للسورية والليبية تنتقض فيها مقومات الدولة، مما سيعود بهذه الدول عقودا للوراء. الدولة العربية ليست حالة استثنائية، هي جزء من تطور التجربة البشرية السياسية التي تتعاطى مع كل مرحلة حسب احتياجاتها وحسب القوى والأفكار المهيمنة عليها، حاليا يواجه المواطن العربي نموذجين للدولة يقارن بينهما، الحكم الوراثي الشمولي المستقر والمدني الشمولي كذلك والمتعثر، نموذجا تونس والمغرب اللذان يعبران عن هذه الثنائية ولكن بشكل أكثر إيجابية، مرشحان ليكونا اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة العربية على اجتياز تجربة الإصلاح السياسي بنجاح، العالم العربي اليوم يحيل نظره لتونس والمغرب ويحبس أنفاسه، بانتظار الدولة العربية الجديدة.
منذ عام 2006 بدأت في مجال التحليل السياسي، من خلال صفحات الجرائد المحلية المختلفة، ومنذ ذلك الحين التزمت بمقال أسبوعي يركز غالباً على التعليق على الأحداث الراهنة، أو مناقشة موضوع سياسي عام، مرت هذه التجربة...
بنجاح أكبر من الذي توقعته استطلاعات الرأي، عبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاستحقاق الانتخابي الرئاسي، ليقطع الطريق على من أراد أن يشكك في استمرار شعبيته في بلاده. وعلى الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة والتلاعب...
مذ عرّفني أحد الأصدقاء على قصيدة تميم البرغوثي عن القدس، دأبت على الاستماع إليها بين الفينة والأخرى، لا شك لجمالها أولاً، ولكن كذلك لأنها تنقلني إلى حالة شعورية مختلفة حول المدينة القديمة، أشعر وكأنني أمشي...
في الإنجليزية، إذا أردت أن تصف أشخاصاً يتقاتلون بطريقة صبيانية، فبإمكانك استخدام مصطلح «أطفال بألعاب»، في إشارة إلى أن أولئك الذين تتحدث عنهم يتصرفون كأطفال يتنازعون ألعاباً لا كأشخاص ناضجين.. العالم اليوم يكثر فيه من...
ستة أشهر كانت كفيلة ببث روح جديدة في الجسد القطري بعثها التحدي الأكبر الذي واجه البلاد في تاريخها، في هذه الأشهر الستة انطلقت قطر نحو المستقبل بخطى ثابتة والتحم الشعبي مع الرسمي لرسم لوحة مشرقة...
آلة السياسة في واشنطن شديدة التعقيد، من حيث التركيب والأنظمة، فنظام التوازن والرقابة الذي يعطي كل سلطة صلاحية رقابية على الأخرى، ويجعل الصلاحيات متوازنة بينها، أورث نظاماً معقداً، ولكنه يعمل بكفاءة عالية، هذا النظام تعرّض...
أثارت كوريا الشمالية الرعب في محيطها الإقليمي والعالم أجمع بتصعيد تجاربها النووية والصاروخية، وحسب الخبراء العسكريين يمكن أن تصبح قريباً «الدولة المارقة»، كما يسميها ترمب، قادرة على تركيب رأس نووي على صاروخ متجه إلى الساحل...
الأنشطة الثقافية للمؤسسات الخيرية هنا في قطر كانت وما زالت أكثر قدرة على جذب الجماهير من مثيلاتها الرسمية، ويعود ذلك لمجموعة من الأسباب، أهمها الطبيعة التطوعية لهذه الأنشطة، وما يحققه ذلك من إبداع ومرونة وحماس،...
حطت طائرة الرئيس الأميركي على أرض فلسطين ليكون أول مؤتمر صحافي له بجوار طائرته مناسبة جديدة يذكر فيها بالتزامه التام بأمن الكيان الصهيوني، بعد أن أمضى الأيام الماضية في التأكيد على رؤيته حيال «الإرهاب الإسلامي»...
الثورة الاقتصادية الصينية التي دفعت بالصين من دولة مقسمة محتلة إلى أحد أقوى اقتصادات العالم استفادت بشكل كبير من المبدأ الذي وضعه باني نهضة الصين الاقتصادية الحديثة شياوبنج وهو رئيس الصين الثاني بعد ماو تسي...
احتفل قطاع كبير من الفرنسيين، ومعهم المعتدلون في أوروبا، والعالم الغربي بخسارة لوبين، وفوز ماكرون خلال الأيام الماضية، متجاوزين تهديداً آخر من اليمين المتطرف الأوروبي، وبذلك تتبدد أحلام اليمين المتطرف في القارة العجوز في أن...
خلال الشهور القليلة الماضية تغيرت الأوضاع في قطبين من أهم الأقطاب السياسية في المنطقة بشكل كامل، خلال الأعوام الماضية بدا أن النظام الإيراني يحكم قبضته على محيطه الداخلي والخارجي، وفي مقابل ذلك بدا أن الإدارة...