


عدد المقالات 269
خلال الأسبوع الماضي كان الشغل الشاغل للمجتمع القطري سواءً على وسائل التواصل الاجتماعي أو في الإعلام أو المجالس، هو حقيقة خطورة بعض أنواع التطعيمات على صحة الأطفال، تطور النقاش وتدحرج ككرة ثلج هائلة، حتى اضطرت وزارة الصحة العامة إلى إصدار بيان حول المسألة لتوضيح الالتباس، وحقيقة لست في مقالي هذا معنياً بالمسألة من الناحية الطبية، فلست طبيباً ولا مختصاً في مسائل الصحة العامة، ولا أكاد أعرف أنواع التطعيمات التي تلقيتها أو يتلقاها أطفالي، لكن ما يعنيني هو البعد الاجتماعي والسياسي لمثل هذا النقاش وطبيعته وتأثيراته. النقاش في الحقيقة حول الارتباط بين تطعيم ثلاثي ضد الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية وبين التوحد، يعود لدراسة أجراها باحث بريطاني هو أندرو ويكفيلد نشرت عام 1997 في مجلة علمية طبية مرموقة، تشير إلى وجود ارتباط بين التطعيم وزيادة حالات التوحد في بريطانيا، وعلى الرغم من أن الدراسة تعرضت لانتقادات منهجية عديدة، ونفذت بعدها العديد من الدراسات التي تناقضها، إلا أنها انتشرت انتشار النار في الهشيم، هذه الدراسة أثارت حالة تخوف عامة من التطعيم خاصة في الولايات المتحدة، لكنها أخذت بعداً سياسياً، جاءت نتائج دراسة ويكفيلد على هوى قطاع واسع من الأميركيين من سكان الأرياف والمحافظين الذين يغلب عليهم عدم الثقة في الحكومة خاصة الاتحادية، وتحولت القضية تدريجياً إلى اصطفاف سياسي تستغل فيه مسألة مقاومة التطعيم كجزء من مقاومة ما يراه هؤلاء على أنه تدخل الحكومة في حياة الأفراد، والمطلع على السياسة الأميركية يعرف مركزية هذه القضية بالنسبة لليمين الأميركي، وخاصة سكان الأرياف والولايات التي تسمى بحزام الإنجيل، ويقدر مركز مكافحة الأمراض والأوبئة الأميركي أن العزوف عن التطعيمات في عام 2010 أدى إلى وفاة 10 أطفال على الأقل، بأمراض كان من الممكن تجنبها باستخدام التطعيم. تحولت مسألة التطعيمات هذه إلى نظرية مؤامرة كبيرة، تدعي أن الحكومات تخفي الأبحاث المؤيدة للعلاقة بين التطعيم والتوحد لصالح شركات صناعة الأدوية، وأن هذه الشركات تقوم بإسكات أي صوت يسعى لكشف هذه الحقيقة المزعومة، وهذه المؤامرة ليست إلا واحدة من سلسلة طويلة من المؤامرات التي يؤمن بها معادوا الحكومة الفيدرالية في الولايات المتحدة، واليوم يستغل ترامب ومن معه هذ النظرية وغيرها لإثارة مؤيديه، وحملهم على الانقلاب عبر صناديق الاقتراع على المؤسسة الرسمية، سواء السياسية أو العلمية، ومن ذلك أيضاً نفي هؤلاء للاحتباس الحراري باعتباره مؤامرة عالمية توظف الباحثين والعلماء للتحكم في المقدرات الاقتصادية للأفراد. لكن كيف يمكن لنظرية المؤامرة أن تنشأ وتنتشر حتى تصل إلى شواطئنا وتتحول إلى مسألة رأي عام؟ نظريات المؤامرة في الحقيقة تمر جميعها بذات المسار، تبدأ بمجموعة من الحقائق المتناثرة والمعزولة، تتحول إلى تفسير سياسي أو اجتماعي يتوافق مع مراد طرف معين، ينقض هذا الطرف كل ما يخالف هذه الحقيقة أو يدحضها باعتباره جزءا من المؤامرة، بعد مرحلة من الانتشار في السياق العام تضمحل النظرية تدريجياً لتبقى عالقة في أذهان بعض الذين تتوافر لديهم القابلية للإيمان بهذا النوع من الأفكار، خذ على سبيل المثال تلك النظرية القائلة بأن أوباما مسلم متخفٍ، التي تنتشر في أوساط الجمهوريين والمحافظين في الولايات المتحدة، بدأت النظرية من حيث أن والد أوباما كان على الأقل من حيث الأصل مسلماً، وعليه فإن اسم أوباما الأوسط هو حسين، عاش أوباما في إندونيسيا ردحاً من الزمن، كل هذه حقائق لا يختلف عليها أحد، لكن المسألة تنمو، فجأة تخرج وثيقة غير معروفة المصدر تثبت أن أوباما لم يولد في الولايات المتحدة، ثم أخبار متداولة حول لقاءات سرية لأوباما مع مسلمين، ثم تفسر هذه النظرية تقاعس الرئيس الأميركي في حربه ضد تنظيم الدولة باعتباره «سراً» يؤيد المتطرفين الإسلاميين، لاشك أن هذا كلام فارغ بكل المقاييس، وغالباً سيتفق معي القارئ، لكن عندما ينظر شخص من خارج محيطنا إلى نظريات المؤامرة التي نسوقها كثيراً في عالمنا يتكون لديه انطباع مشابه. نظرية المؤامرة تعتمد على أربعة أركان: يقدمها غير مختصين أو مختصون يتكلمون خارج قواعد الاختصاص، تفسر النظرية أية وجهة نظر أو حقيقة مخالفة على أنها جزء من المؤامرة بالتالي لا يمكن القبول بها، تقوم النظرية غالباً على التشكيك بحقائق أكثر من طرح حقائق بديلة واضحة وبالتالي يضطر الطرف الآخر إلى الدفاع، يعتبر المؤمنون بالنظرية أن من لا يؤمن بها أو يخالفها هو إما ساذج أو مستفيد من المؤامرة وبالتالي لا يمكن القبول بنقاش علمي واقعي حول المسألة، لكن هل يعني هذا أنه لا توجد مؤامرات؟ بالطبع لا، أصحاب المصالح السياسية والاقتصادية يتآمرون هنا وهناك لتحقيق أهدافهم، وهناك الكثير مما لا نعلمه يدور في الخفاء، لكن لا يعني ذلك أن تفسير كل ما يحدث حولنا هو مؤامرة، كما لا يعني ذلك أن هذه المؤامرات تنجح دائماً، المطلوب منا هو ألا نقبل أي ادعاء لا تتوفر له أدلة علمية صريحة وواضحة، وألا نسمح لغير المختصين والمتطرفين في آرائهم بالاستحواذ على الخطاب العام، ليس هذا تقليلاً من شأن أحد أو مطالبة بتسليم أدمغتنا لكل ما هو رسمي، لكن لا بد أن نتحلى بما يكفي من الوعي بحيث لا نكون ضحية طرح ساذج منقوص يتلبس بلبوس الحقيقة والعلم، ربما نحتاج إلى تطعيم لعقولنا ضد هذا النوع من التفكير، لكن يجب أن نتأكد من علاقته مع التوحد أولاً.
منذ عام 2006 بدأت في مجال التحليل السياسي، من خلال صفحات الجرائد المحلية المختلفة، ومنذ ذلك الحين التزمت بمقال أسبوعي يركز غالباً على التعليق على الأحداث الراهنة، أو مناقشة موضوع سياسي عام، مرت هذه التجربة...
بنجاح أكبر من الذي توقعته استطلاعات الرأي، عبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاستحقاق الانتخابي الرئاسي، ليقطع الطريق على من أراد أن يشكك في استمرار شعبيته في بلاده. وعلى الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة والتلاعب...
مذ عرّفني أحد الأصدقاء على قصيدة تميم البرغوثي عن القدس، دأبت على الاستماع إليها بين الفينة والأخرى، لا شك لجمالها أولاً، ولكن كذلك لأنها تنقلني إلى حالة شعورية مختلفة حول المدينة القديمة، أشعر وكأنني أمشي...
في الإنجليزية، إذا أردت أن تصف أشخاصاً يتقاتلون بطريقة صبيانية، فبإمكانك استخدام مصطلح «أطفال بألعاب»، في إشارة إلى أن أولئك الذين تتحدث عنهم يتصرفون كأطفال يتنازعون ألعاباً لا كأشخاص ناضجين.. العالم اليوم يكثر فيه من...
ستة أشهر كانت كفيلة ببث روح جديدة في الجسد القطري بعثها التحدي الأكبر الذي واجه البلاد في تاريخها، في هذه الأشهر الستة انطلقت قطر نحو المستقبل بخطى ثابتة والتحم الشعبي مع الرسمي لرسم لوحة مشرقة...
آلة السياسة في واشنطن شديدة التعقيد، من حيث التركيب والأنظمة، فنظام التوازن والرقابة الذي يعطي كل سلطة صلاحية رقابية على الأخرى، ويجعل الصلاحيات متوازنة بينها، أورث نظاماً معقداً، ولكنه يعمل بكفاءة عالية، هذا النظام تعرّض...
أثارت كوريا الشمالية الرعب في محيطها الإقليمي والعالم أجمع بتصعيد تجاربها النووية والصاروخية، وحسب الخبراء العسكريين يمكن أن تصبح قريباً «الدولة المارقة»، كما يسميها ترمب، قادرة على تركيب رأس نووي على صاروخ متجه إلى الساحل...
الأنشطة الثقافية للمؤسسات الخيرية هنا في قطر كانت وما زالت أكثر قدرة على جذب الجماهير من مثيلاتها الرسمية، ويعود ذلك لمجموعة من الأسباب، أهمها الطبيعة التطوعية لهذه الأنشطة، وما يحققه ذلك من إبداع ومرونة وحماس،...
حطت طائرة الرئيس الأميركي على أرض فلسطين ليكون أول مؤتمر صحافي له بجوار طائرته مناسبة جديدة يذكر فيها بالتزامه التام بأمن الكيان الصهيوني، بعد أن أمضى الأيام الماضية في التأكيد على رؤيته حيال «الإرهاب الإسلامي»...
الثورة الاقتصادية الصينية التي دفعت بالصين من دولة مقسمة محتلة إلى أحد أقوى اقتصادات العالم استفادت بشكل كبير من المبدأ الذي وضعه باني نهضة الصين الاقتصادية الحديثة شياوبنج وهو رئيس الصين الثاني بعد ماو تسي...
احتفل قطاع كبير من الفرنسيين، ومعهم المعتدلون في أوروبا، والعالم الغربي بخسارة لوبين، وفوز ماكرون خلال الأيام الماضية، متجاوزين تهديداً آخر من اليمين المتطرف الأوروبي، وبذلك تتبدد أحلام اليمين المتطرف في القارة العجوز في أن...
خلال الشهور القليلة الماضية تغيرت الأوضاع في قطبين من أهم الأقطاب السياسية في المنطقة بشكل كامل، خلال الأعوام الماضية بدا أن النظام الإيراني يحكم قبضته على محيطه الداخلي والخارجي، وفي مقابل ذلك بدا أن الإدارة...