أنا الرئيس الشرعي.. وأنت باطل!
17 نوفمبر 2013 , 12:00ص
جملة العنوان تكفي ليستحي القاضي الذي جاء لقاعة المحكمة عبر دبابة من نفسه، ويلملم الأوراق التي أعدها له الحاكم العسكري ليسحق بسلطان قانون الرعب، شرعية حاكمة مختطفة والمعارضين وكل من يقف بوجهه بالإرهاب.
هذا أنموذج الاستعمار الجديد للعالم الإسلامي منذ مؤامرة 1915، وسنأتي لها لاحقاً.
محاكمة سياسية منقلبة على الدستور المصري، كما صرح قانونيون، تلك هي المهزلة الكيدية التي تمت في الرابع من نوفمبر لأول رئيس «مدني» منتخب في مصر الدكتور محمد مرسي.
اتركوا عنكم اسطوانة، هذا ما وجدنا عليه آباءنا الأولين للإخوان المسلمين كارهين، هذه جاهلية وردة، فمن أهم مرتكزات علوم الحديث الشريف هو «علم الرجال» وفيه يؤخذ من الراوي ويُرد تبعاً لكونه من الثقات أم به مشوبة، ويمكنكم البحث في الكتب الشرعية لتفصيل أوسع.
ولكن ما أردت بيانه بهذا المثل أن المصادر التي شيطنت الإخوان المسلمين ليست كلها عدولا، وبالنقل التاريخي للأحداث مثالب واضحة، مصالح وصراع على حكم وأيضاً أصلها خيانات عسكر. وحدثنا بها جوقتهم من كتاب ومثقفين وفنانين وأحزاب علمانية وأولئك ليسوا كلهم ثقات ويكفي أن منهم «هيكل» لنرد القصة.
إن التاريخ الذي كان مخفياً عنا فصدقنا كل قول في جماعة الإخوان، أعاده الله لنا عبر انقلاب عسكر مصر ومعه ثورة تكنولوجيا الاتصالات لنرى بأم أعيننا الحقيقة التي كانت تحدث سراً في غياهب السجون وسراديب الساسة العسكر على الهواء مباشرة، فلا حجة جهالة بعدها لمن يختار أن يكون للظالم ظهيرا إلا العناد والمكابرة.
فكل ما قيل في سوء الإخوان المسلمين يجب رده وعرضه على الأحداث اليوم التي تشير لتزوير كبير في التاريخ لرسالة الجماعة المؤمنة بالتداول السلمي للسلطة والمشاركة السياسية بمشروع دولة تقوم على مرجعية إسلامية على مذهب أهل السنة والجماعة. وإن اختلفت مع تطبيقاتهم بعض مذاهب السنية والإيمان باللاعنف أو حمل السلاح أهم ما يجب تصديقه، الواقع أنه أكثر من منذ ثمانين عاماً من يُسجن ويُقتل ويُنكّل به هم الإخوان وآباؤهم وأحفادهم، وبلا طلقة دفاع واحدة عن النفس والمال والولد.
أغلقوا قنوات الإرجاف وكلكم يعرفها ويختار مشاهدتها ليجد لنفسه سبباً يبرر كراهيته لإخوة الدين، استردوا عقولكم المؤجرة منذ عبدالناصر لقومية مُدّعاة ولوحدة عربية مُفتراة، ولتأميم ظالم يريد تغيير سنة الله في الأرض بأخذ أموال الخاصة لتصبح مشاعاً عاماً وكل ذلك بغرض إشباع شهوة السلطة والاستحواذ على الكرسي لمجنون نرجسي، ومن جاء بعده تبع سنته وزاد عليها نكهته الخاصة في البطش.
الحقيقة ساطعة لمن أراد مشاهدتها، وارتداء النظارات السوداء لا يحيل النهار ليلاً، بل يجعلك أنت فقط في عتمة.
محاكمة تحت حكم العسكر، وإجراءات العسكر، وقسرية تسير مصر منذ الثالث من يوليو حتى اليوم بـ «الكرباج» هي الاحتلال بعينه وإن كان المنفذ مصريين ولكن التمويل والمصالح خارجيون.
المشكلة التي يجهلها كثيرون هي «تركيبة العقلية العسكرية» تلك المعضلة التي تتطلب مواجهة وطردا من المشهد السياسي لا استعانة بها وتجنبها وغض النظر عن سلوكها.
العمود الفقاري للتربية العسكرية «تنفيذ أوامر تصدر من رتبة أعلى» أي: هناك «دائماً» آمر يوجِّه ومن دونه هم أيادي التطبيق «نفذ ثم ناقش أو تموت» هذا ما دربوا عليه أبناءنا عندما أرسلناهم ليدرسوا العسكرية في الغرب.
عقيدة الولاء والبراء للآمر العسكري، وهنا مكمن الخطر، وهذه هي الأنظمة التي سلمها الاستعمار إدارة دولنا بعد أن رحل بوجوده وبقي عملاؤه يتلقون الأوامر من قائد أعلى عبر البحار وينفذونها على شعوبهم.
بدأ ذلك في الفترة من نوفمبر 1915 إلى مايو 1916 حين أسرت مفاوضات بين فرنسا عبر الدبلوماسي فرانسوا جورج بيكو والمملكة المتحدة ممثلة بالبريطاني مارك سايكس، وبعلم روسيا القيصيرية على اقتسام الهلال الخصيب بعد إسقاط الدولة العثمانية، وكُشف عنها في 1917 عندما وصل الشيوعيون للحكم في روسيا.
منذ ذاك والعالم يبحث عن وسيلة احتلال لثروات أرضنا وهزيمة فردنا تختلف عن مواجهتنا بالحروب؛ لأن هزائمهم استنزفت قواهم الاقتصادية والمعنوية وتعلموا استحالة غمد سيف الجهاد الإسلامي والتي كانت الدولة العثمانية تشهره تطبيقاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم «الجهاد ذروة سنام الإسلام» قبل أن تروضه اتفاقات مسيحية يهودية متقبعة بمسميات «دول مدنية» تظاهِرها عصبة أمم ثم هيئة أمم وما فرخوه من الهيئات التي تصب في هدف واحد بملايين الوسائل «الجهاد إرهاب» يجب وقفه.
كل أعمال احتلال الأمة الإسلامية السابقة للدولة العثمانية وأثناءها واللاحقة، بل منذ إعلان دولة المدينة المنورة كأول دولة إسلامية والمؤامرات على «فكرة تأسيس دولة إسلام» تكون من خلال تحريض المؤسسات الدينية يهودية كانت أم نصرانية، وإن صرحت بعكس ذلك، هكذا أخبرنا الله جل جلاله في القرآن الكريم: «وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعَدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ».
صدق ربي وكذبت السياسية الدولية.
ولهذا حرب الاستئصال على جماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها وحتى اختارتهم الشعوب في تونس ومصر للحكم لم يهدأ المجتمع الدولي، والمخجل أن معاول هدم فكرة تأسيس دولة إسلامية، إسلامية الصنع، كبعض الحركات السلفية التي يجب أن تكون أول من يسند فكرة دولة إسلامية وأنظمة مسلمة حاكمة.
وأختم بمشهد من المحاكمة رداً على من يروج بأن الإخوان غير قادرين على إدارة دولة، عندما يكون لديك دقائق لطرح أسئلة وإعطاء إجابات مختصرة ومركزة وتحدث فرقاً وتحقق نتائج، هذا يسمى بالحنكة والذكاء والقدرة على تحديد الأولويات والعمل تحت الضغوط. وهذه هي «الإدارة المؤثرة».
تلك ملاحظة بسيطة لما فعله الدكتور مرسي مع المحبوسين معه من الجماعة في ذات قفص الاتهام ومحاميهم خلال عشرين دقيقة، تبادلوا معلومات واتخذوا قرارات ونقلوا للشارع رسالة، أظن من العدل هنا وصفهم بـ «القدرة على إدارة دولة».
العنوان يوحي بأن المقال عن محاكمة الرئيس مرسي، ولكنه لطرح كواليس فكرة أعمق.
فعند محاكمة أي نتيجة لأي صندوق يجيء بحاكم من اختيار الشعب، ويُطاح به عسكرياً ويُرسل للمحاكمة يكون الرد الوحيد اللائق للقاضي «أنا الرئيس الشرعي وأنت باطل»!