


عدد المقالات 117
إن الله تبارك وتعالى أوصى عباده بتقواه التي يحصِّلون بها السعادة والطمأنينة في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وينالون رضاه والفوز بدار كرامته والسلامة من ناره وعذابه، وهي وصيته سبحانه للأولين والآخرين من خلقه قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء:131]. وأن تقوى الله هي طاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ومعنى التقوى، أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافُهُ وقايةً، وتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه، وذلك لا يكون إلا بفعل طاعته واجتناب معصيته. والله عز وجل تارةً يأمر بتقواه، فهو الذي يُخشى ويُرجى، وكل خيرٍ يحصل للعباد منه سبحانه، وتارةً يأمر باتقاء النار التي هي مآل من خالف تقواه واتبع هواه كما قال تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة:24]. ولقد اعتنى السلف الصالح بتحقيق التقوى في نفوسهم وتوضيح معناها ومبناها ولم يزالوا يتواصون بها؛ قال ابن عباس (رضي الله عنهما): « الْمُتَّقَونَ الَّذِينَ يَحْذَرُونَ مِنَ اللهِ عُقُوبَتَهُ فِي تَرْكِ مَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْهُدَى، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ فِي التَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ «. وقال ابن مسعود (رضي الله عنه) في قوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران:102] قال: « أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَأَنْ يُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ «، وقال طلق بن حبيب: « التَّقْوَى أَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ تَرْجُو ثَوَابَ اللهِ، وَأَنْ تَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ تَخَافُ عِقَابَ الله «. وقد شرع سبحانه لعباده صيام شهر رمضان المبارك لتحقيق تقواه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183]. ما يعني أن الصوم يوصل إلى التقوى لما فيه من قهر النفس وكسر الشهوات، فما شُرع صيام هذا الشهر الكريم إلا لتحقيق التقوى، بل إنه من أكثر ما يعين على تحقيقها، قال الإمام سعدي رحمه الله في تفسيره لقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: «فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى، لأن فيه امتثال أمر الله واجتناب نهيه، فمما اشتمل عليه من التقوى، أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها التي تميل إليها نفسه، متقرباً بذلك إلى الله راجياً بتركها ثوابه، فهذا من التقوى، ويدرِّب نفسه على مراقبة الله تعالى، فيترك ما تهوى نفسه مع قدرته عليه، لعلمه باطلاع الله عليه، وأن الغني إذا ذاق ألم الجوع أوجب له ذلك مواساةَ الفقراء المعدمين، وهذا من خصال التقوى». ووجوه التقوى في الصوم ليست مقتصرةً على الكفّ عن الطعام والشراب فقط، بل لا بد أن يرافق ذلك حسن المعاملة والخلق في التعامل مع الآخرين، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ))، ومعنى الصيام (جُنة) أي وقاية للعبد من النار، ووقاية له عن السيئات، وصبر على الأذى، وترويض للنفس على كتم الغيظ والتغلب على الغضب، فكلما كانت الأخلاق حسنة كان الصيام أتم وأكمل، فإن الرفث والفسوق والسباب والظلم مما يجرح الصيام، وقد يبطل أجره. ولذلك فإن الصيام والقيام وسائر العبادات في شهر مضان هي دلالة وبرهان على تقوى العبد، فالصيام والتقوى صنوان لا ينفصلان، فلا صيام بدون تقوى ولا تقوى بدون صيام، فطوبى للمتقين الصائمين في هذا الشهر الفضيل.
أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...
كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...
لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...
ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...
شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...
تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...
تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...
تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد...
ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...