الإثنين 17 رجب / 01 مارس 2021
 / 
11:11 م بتوقيت الدوحة

سوريا والتدخل التركي

إسماعيل ياشا
أظهرت العملية النوعية التي قام بها جهاز الاستخبارات الوطني التركي قبل أيام في مدينة اللاذقية السورية، لإلقاء القبض على مخطط تفجير «ريحانلي» وجلبه إلى الأراضي التركية، مدى النفوذ التركي في الشمال السوري، بالإضافة إلى قدرة الجهاز على التحرك في عقر دار النظام السوري ومخابراته، وتنفيذ عمليات معقدة.
هذا النفوذ ليس بجديد ولا غريب، لأن تركيا وسوريا بينهما حدود يصل طولها 911 كيلومتراً، وعلاقات سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية تضرب جذورها في أعماق التاريخ. وهناك عوائل تركية وكردية وعربية نصف أفرادها يقيمون في تركيا فيما يقيم النصف الآخر في الجانب السوري.
القوى الدولية والإقليمية المستاءة من الصعود التركي وموقف أنقرة من الثورة السورية، هي التي تنزعج من هذا النفوذ، وتعده تدخلاً في شؤون سوريا، إلا أن هذا الانزعاج لا قيمة له، لأنه باطل، ومبنٍ على معايير مزدوجة. ولذلك، تبقى البيانات الصادرة عن تلك القوى لتنديد ما تسميه «التدخل التركي في سوريا» مجرد حبر على ورق. ولا يمكن أن تغير شيئاً من الواقع، لأن القافلة تسير دون أن تلتفت إلى أصوات النباح.
تركيا تساند في الشمال السوري فصائل الثورة التي تمثل الشعب السوري أكثر من نظام الأسد. كما أن القوانين والأعراف الدولية تمنحها حق التحرك للدفاع عن نفسها، وحماية حدودها وأراضيها ومواطنيها من التنظيمات الإرهابية وهجماتها. وليس لأحد أن يسلب منها هذا الحق المشروع أو يعيبها لأنها تقوم باستخدامه.
هناك جانب غير أخلاقي في اتهام تركيا بالتدخل في شؤون سوريا. وهو أن معظم تلك القوى الدولية والإقليمية تتدخل بشكل سافر في شؤون دول أخرى تبعد عنها آلاف الكيلومترات، كما أن تدخلاتها في تلك الدول فقط من أجل عدم تجلي إرادة شعوبها عبر انتخابات
حرة ونزيهة.
التدخل التركي في سوريا محمود، ومطلوب، ومرحب به، من أجل مساندة الشعب السوري في ثورته. ولا أدلَّ على ذلك من الأعلام التركية التي يرفعها السوريون الأحرار إلى جانب أعلام الثورة في مظاهراتهم الحاشدة بالمناطق المحررة من نظام الأسد وشبيحته. وهذا التلاحم الأخوي الذي يعزز قوة تركيا وفصائل الثورة على حد سواء، يؤدي بالتأكيد إلى تفاقم الصداع في رؤوس المنزعجين من الدور التركي الداعم لثورة الشعب السوري ومطالبته بالحرية والكرامة والديمقراطية.
تركيا لا يمكن أن تتخلى عن حماية أمنها القومي، ولا عن الوقوف إلى جانب السوريين عموماً، وسكان إدلب على وجه الخصوص، مهما بلغ انزعاج القوى الدولية والإقليمية وانتقاداتها. وتهدف جهودها السياسية والدبلوماسية والعسكرية إلى تجنيب المنطقة مزيداً من الأزمات والمجازر والكوارث الإنسانية.
أنقرة تتجاهل جميع تلك الاتهامات الباطلة التي تصدر عن جهات وهيئات لا تمثل شعوب المنطقة وهمومها. وتتحرك على أكثر من صعيد لمنع ارتكاب نظام الأسد مجازر جديدة في بلاد الشام. وبعد محادثات أستانة، وقمة طهران الثلاثية الأخيرة، اجتمع الجمعة مسؤولون كبار من تركيا وروسيا وألمانيا وفرنسا في اسطنبول، لمناقشة الملف السوري وملفات أخرى، تحضيراً لاجتماع قمة الزعماء التي دعا إليها رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان قبل نحو شهرين. وهي من اللاعبين الكبار في كافة تلك الملفات، ومعنية بها، ولا وقت لديها للانشغال بطنين الذباب.