


عدد المقالات 269
منذ بدأت طائرات العدو تقصف القطاع، قررت أن يكون مقالي القادم عن غزة، فرغم أن الكوارث في العالم الإسلامي فيها ما هو أكثر دموية من قضية هذه المدينة الصامدة، إلا أن مركزية القضية الفلسطينية في مشروع الأمة التحرري يجعل آلامها دائماً أكثر إيلاماً، وربما زاد في ذلك أن هذه المدينة لا تجابه فقط عدواً صهيونياً محتلاً دأبت على مواجهته منذ ما يقارب قرناً من الزمان، فهي تجابه كذلك جارة كبرى تخنقها وأخرى تتآمر ضدها وثالثة تبيع وتشتري فيها، بل إن أعداءها من جيرانها العرب يبدو أنهم أكثر تعطشاً لدمائها من اليهود.
احترت فيما أكتب، عن أشكال الدمار والقتل؟ قيل وكتب ولن أزيد في ذلك. عن صور التضحية والصمود؟ لا تكاد تخلو جريدة أو وسيلة إعلامية من إشارة لذلك باستخدام كل أسلحة الإنشاء والبلاغة والفصاحة. عن خيانة العرب وتقاعس المسلمين؟ أصبحنا نستحي من تكرار هذه الأسطوانة المشروخة. عن ماذا إذاً أكتب؟ أتجاوز إذاً كل المحن والمآسي وأكتب عن التفاؤل، التفاؤل الذي يشق طريقه من بين الركام ودموع الثكالى لينير لشعوب أعياها انتظار النصر طريقاً للمستقبل.
التفاؤل أولاً يكون بتغيير موازيين الصراع مع العدو الصهيوني، فبعد أن كانت المدن الإسرائيلية تنعم بالأمان بينما تقصف المدن الفلسطينية وتقتحم وتنتهك حرماتها كلما أحب الإسرائيليون ذلك، لا تكاد صفارات الإنذار تسكت في مدنهم اليوم حتى تعود لتنطلق مرة أخرى محذرة من صواريخ جديدة تطلقها الفصائل الفلسطينية من غزة، وخلال الأيام الماضية رأينا الصواريخ تنطلق من لبنان وسوريا كذلك، مما وضع العدو الصهيوني في حالة من الرعب لم يعرفها منذ الحروب التي انتهت بانتصارها على الجيوش العربية الجرارة، وحتى حين ذاك وفرت الأنظمة الكرتونية العربية حالة من الطمأنينة للعدو الذي كان يعلم أن من يواجهه مهتم بتثبيت حكمه أكثر من التضحية لتحرير فلسطين.
التفاؤل كذلك يكون حين ترى أن عاصمة الكيان الصهيوني والتي دأب الكيان على تصويرها على أنها عاصمة الازدهار والاستقرار في المنطقة، وأنها قطعة من أوروبا في صحراء العرب، تبيت اليوم تحت تهديد عدو خارجي طالما اعتبره قادة الكيان بعيداً عن المدن الإسرائيلية الكبيرة، اليوم ينفض أهل تل أبيب الغبار عن الملاجئ ليعيشوا حالة الرعب التي أذاقوها أطفال فلسطين منذ تأسيس كيانهم، فمنذ حرب 1948 لم تذق تل أبيب مرارة القصف، أما اليوم فلم يعد لتل أبيب أو غيرها سقف زجاجي يوفر لها الأمان من المقاومة الفلسطينية، أما القبة الحديدية فقد أثبتت أنها بصلابة صحن البلاستيك، تمرر الصواريخ كحارس مرمى فاشل.
كذلك نتفاءل حين نرى قادة الكيان من العسكر والمدنيين يوجهون رسائل حول التهدئة ويضغطون على حلفائهم في المنطقة لإقناع حماس والفصائل الفلسطينية بالتوقف عن القصف، ولا يغرنكم الموقف الصلب لرئيس حكومة الكيان، فالعمل في الغرف الخلفية يدور في مجمله الآن سعياً لإقناع المقاومة الفلسطينية بهدنة تحفظ ما تبقى من ماء وجه نتنياهو، بينما يصر قادة المقاومة على أنهم لن يتوقفوا هذه المرة إلا بهدنة يكون لهم فيها اليد العليا، والميدان ولأول مرة يوفر لهم الغطاء للاستمرار.
وشخصياً أتفاءل، بل وأشمت قليلاً، حين أرى إعلاميي العار في مصر والخليج والذين صدعوا رؤوسنا بالدعاء على حماس وبتهديد غزة وحتى بتأييد القصف الإسرائيلي وهم يتقهقرون ويحاولون ركوب الموجة بالتباكي على الضحايا وذرف الدموع على فلسطين، بعد أن اكتشفوا أن حلمهم المتمثل في أن تمسح إسرائيل حماس من الوجود أصبح سراباً في الأفق، أولئك الذي كانوا –وما زال بعضهم- يتحدثون عن الصواريخ العبثية، أثبتت الأحداث أن صواريخ المقاومة لم تكن تعبث إلا برجولتهم.
نعم، ربما تنفد ذخيرة المقاومة، ربما يأتي زمان تجتاح إسرائيل غزة، ربما يهب خونة العرب إلى نجدة إسرائيل.. ربما وربما وربما، ولكن لن يستطيع أحد أن يلغي حقيقة أن الصهيوني ذاق من الرعب ما يجعله يفكر مئات المرات قبل أن يتحدى روح المقاومة الفلسطينية. شعب الكيان لن يسمح لقادته مجدداً بأن يخوضوا بهم هذه المغامرات العبثية، وكما أسقطت غزة أولمرت ستسقط نتنياهو.
في دعوة للإفطار تحدث المدعوون عن غزة وكأس العالم، وكيف أن هذا الأخير شغل الناس عن الأوضاع في القطاع، أحد الحاضرين قال: «حتى أهل غزة ستجدهم يتابعون مباريات كأس العالم»، ابتسمت، فبينما ينشغل العالم بأهداف مباريات كأس العالم، انشغل أهل غزة بالأهداف العسكرية للكيان على أرضهم، وللمقاومة على أرض العدو، وبينما حسمت ألمانيا النتيجة وعاد لاعبوها بالكأس إلى بلادهم، ما زال الفلسطينيون ينتظرون النصر من الله، ألا إن نصر الله قريب.
• majedalansari@hotmail.com
@majedalansari
منذ عام 2006 بدأت في مجال التحليل السياسي، من خلال صفحات الجرائد المحلية المختلفة، ومنذ ذلك الحين التزمت بمقال أسبوعي يركز غالباً على التعليق على الأحداث الراهنة، أو مناقشة موضوع سياسي عام، مرت هذه التجربة...
بنجاح أكبر من الذي توقعته استطلاعات الرأي، عبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاستحقاق الانتخابي الرئاسي، ليقطع الطريق على من أراد أن يشكك في استمرار شعبيته في بلاده. وعلى الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة والتلاعب...
مذ عرّفني أحد الأصدقاء على قصيدة تميم البرغوثي عن القدس، دأبت على الاستماع إليها بين الفينة والأخرى، لا شك لجمالها أولاً، ولكن كذلك لأنها تنقلني إلى حالة شعورية مختلفة حول المدينة القديمة، أشعر وكأنني أمشي...
في الإنجليزية، إذا أردت أن تصف أشخاصاً يتقاتلون بطريقة صبيانية، فبإمكانك استخدام مصطلح «أطفال بألعاب»، في إشارة إلى أن أولئك الذين تتحدث عنهم يتصرفون كأطفال يتنازعون ألعاباً لا كأشخاص ناضجين.. العالم اليوم يكثر فيه من...
ستة أشهر كانت كفيلة ببث روح جديدة في الجسد القطري بعثها التحدي الأكبر الذي واجه البلاد في تاريخها، في هذه الأشهر الستة انطلقت قطر نحو المستقبل بخطى ثابتة والتحم الشعبي مع الرسمي لرسم لوحة مشرقة...
آلة السياسة في واشنطن شديدة التعقيد، من حيث التركيب والأنظمة، فنظام التوازن والرقابة الذي يعطي كل سلطة صلاحية رقابية على الأخرى، ويجعل الصلاحيات متوازنة بينها، أورث نظاماً معقداً، ولكنه يعمل بكفاءة عالية، هذا النظام تعرّض...
أثارت كوريا الشمالية الرعب في محيطها الإقليمي والعالم أجمع بتصعيد تجاربها النووية والصاروخية، وحسب الخبراء العسكريين يمكن أن تصبح قريباً «الدولة المارقة»، كما يسميها ترمب، قادرة على تركيب رأس نووي على صاروخ متجه إلى الساحل...
الأنشطة الثقافية للمؤسسات الخيرية هنا في قطر كانت وما زالت أكثر قدرة على جذب الجماهير من مثيلاتها الرسمية، ويعود ذلك لمجموعة من الأسباب، أهمها الطبيعة التطوعية لهذه الأنشطة، وما يحققه ذلك من إبداع ومرونة وحماس،...
حطت طائرة الرئيس الأميركي على أرض فلسطين ليكون أول مؤتمر صحافي له بجوار طائرته مناسبة جديدة يذكر فيها بالتزامه التام بأمن الكيان الصهيوني، بعد أن أمضى الأيام الماضية في التأكيد على رؤيته حيال «الإرهاب الإسلامي»...
الثورة الاقتصادية الصينية التي دفعت بالصين من دولة مقسمة محتلة إلى أحد أقوى اقتصادات العالم استفادت بشكل كبير من المبدأ الذي وضعه باني نهضة الصين الاقتصادية الحديثة شياوبنج وهو رئيس الصين الثاني بعد ماو تسي...
احتفل قطاع كبير من الفرنسيين، ومعهم المعتدلون في أوروبا، والعالم الغربي بخسارة لوبين، وفوز ماكرون خلال الأيام الماضية، متجاوزين تهديداً آخر من اليمين المتطرف الأوروبي، وبذلك تتبدد أحلام اليمين المتطرف في القارة العجوز في أن...
خلال الشهور القليلة الماضية تغيرت الأوضاع في قطبين من أهم الأقطاب السياسية في المنطقة بشكل كامل، خلال الأعوام الماضية بدا أن النظام الإيراني يحكم قبضته على محيطه الداخلي والخارجي، وفي مقابل ذلك بدا أن الإدارة...