


عدد المقالات 189
يبدو سقوط شرق حلب وشيكاً، إذ لم تبق فيه إلا جيوب مقاومة قليلة بينما تتقدّم عصابات الأسد والميليشيات الشيعية مرتكبةً أفظع الجرائم بحق المدنيين. تقارير أمميّة تتحدث عن اقتياد الذكور من الأسرى وإعدامهم جماعياً في مشاهد مروّعة تُذكّر بمجزرة سربرنتسا في شرق البوسنة صيف عام 1995. تسقط حلب بعد أن شكّل تحريرها على أيدي الثوار عام 2012 دافعاً معنوياً كبيراً لهم. غير أن انتزاعها من أيديهم لم يكن سهلاً، فلم تكن عصابات الأسد المنهكة قادرة على استعادتها، ولا حتى الميليشيات الشيعية التي خسرت الكثير من أفرادها في الصراع، ولكن القوّة الناريّة للجيش الروسي هي التي صنعت الفرق في مواجهة مجموعات ثوريّة مشتتة قليلة العدد ومفتقرة إلى السلاح المتطور. اتبّع الجيش الروسي استراتيجية «قصف البساط» أو «القصف الشامل» لتدمير كل شيء على الأرض من بشر وحجر، من دون مبالاة بأبسط قواعد الحياة الإنسانية، وأبسط تقاليد الحروب. لم يبق مستشفى واحد في حلب إلا دمّرته القنابل التي يُقال لنا إنها محرّمة دولياً: المظليّة، الفراغيّة، الارتجاجيّة، العنقودية. لم تسلم حتى العيادات الميدانية، وسيارات الإسعاف من القصف. متطوّعو «الخوذات البيضاء» يُقصفون، وقد يُعتقلون ويُعدمون بصفتهم «وكلاء إرهابيين». سقطت اتفاقيات جنيف، وبصقت عليها الهمجيّة. حتى المساجد والمخابز والأسواق أُحرقت بأحدث الأسلحة التي تفتخر بها روسيا، بينما لم يفعل داعمو الحق السوري شيئاً سوى الخطابة، وأشاح الغرب كله بوجهه مصدراً بيانات تذمّر مسطّرة بالنفاق، كالتي ألقتها مراراً، سامانثا بَوَر، سفيرة واشنطن في الأمم المتحدة. الفظاعات التي شهدتها حلب ستبقى وصمة عار على جبين البشرية في هذا القرن. لم يكن القصف يجري بمعزل عن قصف من نوع آخر، وهو تدمير وسائل الحياة كالماء والطعام والأدوية والكهرباء والمأوى. ستيفن أوبراين، مسؤول العمليّات الإنسانيّة في الأمم المتحدة، حذّر قبل أسبوعين من تحوّل حلب إلى «مقبرة ضخمة»، «مكان لنهاية العالم»، و «عار جيلنا». الآن، يجلّل العار الجميع، لاسيما «أصدقاء الشعب السوري» الذي أداروا ظهورهم لذبح حلب. حلب الآن كومة من الأسمنت المعجون بالدم. ابتهج يا بوتن، فقد استعدت «أمجاد» الإمبراطورية السوفييتية، وأثرت إعجاب الغرب بحداثة أسلحتك، ورفضك المساومة في الحرب على «الإرهاب». اكذب يا بوتن كما تشاء، قل إنّ الثوار قصفوا أنفسهم تارة، وألق اللوم على واشنطن تارة أخرى، أعلن أنك لم تُلق قنبلة واحدة منذ أسبوعين، ثمّ أمطر المدنيين بالقنابل، وازعم أنك لا تعلم مصدر القصف، قل إنها حرب على داعش، ثمّ قل إنها حرب على «جبهة فتح الشام»، ثم قل شيئاً مختلفاً، وأعلن أن الحرب على كل «الإرهابيين» الذين يقاتلون حليفك في دمشق، فلا يوجد شيء اسمه «معارضة معتدلة»، فكل من يحمل السلاح ضد الأسد، فهو إرهابي، بحسب وصف ديمتري بسكوف، المتحدث باسم بوتن، لثوّار حلب. الحملات العسكرية التي يشنّها الهمج تُخاض عادة جنباً إلى جنب مع حملات الأكاذيب المتوحشّة. سقوط حلب نقطة تحوّل لصالح الأسد الذي بات يسيطر على خمس مدن رئيسة في سوريا، ولكنّها تمثّل ثلث مساحتها فقط. لا تزال مناطق شاسعة في شرق البلاد وجنوبها وعلى حدودها مع تركيا خارجة عن سيطرة السفّاح، ولن يكون بمقدور روسيا وإيران خوض حرب عصابات طويلة الأمد من أجل استعادتها، لاسيما أنّ لكل منهما أجندات لا تتفق بالضرورة مع أجندة الأسد. لن تنتهي المعركة، ولن يُفلت القتَلة. تدمير المجتمعات السنيّة وتشتيتها، وإحلال الميليشيات الشيعية وعائلاتهم محلّها، وهزم ما يسمّيه الغرب «المعارضة المعتدلة»، والشعور بالظلم لدى السوريين السنّة والمتعاطفين معهم في الجوار- كل ذلك سيشكّل وقوداً للثورة. الآن، لا بدّ للثوّار من استراتيجية مختلفة تقوم على تنسيق الجهود، وتقليل الخسائر، واستنزاف العدو. قد تطول المعركة، ولكن لا الشعب السوري، ولا الأمة من ورائه، سوف يستسلمون للغزاة. وكما قال يوسف الخطيب: هنا أمّةٌ لا هرقلٌ تأبّى/عليها ولا عزّ كسرى عجَمْ/ وإنْ تكُ قد طُويتْ صفحةٌ/فسِفْرُ البطولةِ ما زال جَمْ.
نحن الموقّعين أدناه نعتذر إلى الإنسانيّة عن تاريخنا؛ عن ثقافتنا المفخّخة بالعنف؛ عن سيرة أجدادنا الملّطخة بالدماء. نعتذر عن ما كانوا يسمّونه «الفتوح الإسلامية»، وما كانت سوى عمليات غزو واسترقاق، وإجبار للسكان الأصليين على دفع...
في البدء كانوا مجاهدين، ثم صاروا فدائيين، ثم مقاومين، وتدريجاً أصبحوا مسلّحين، فكان طبيعياً أن يصبحوا في نهاية اليوم، «إرهابيين»، ثم يُسدل الستار على الفاجعة، ولمّا تنته. يصبح الإسرائيلي ضحية، وتصبح أفعاله دفاعاً عن النفس...
اليمن تاريخياً بلد واحد غير مقسّم، والتقسيم إضعاف لهذا البلد، وتشتيت لشعبه، وفتح أبوابه لتدخّلات عسكرية وقواعد أجنبية واضطرابات وحروب قد تكون أسوأ من وضعه إبّان الانفصال القديم في الستينيات والسبعينيات. وبينما يتّجه العالم إلى...
حدّث سهم بن كنانة، قال: كان في القرن الخامس عشر بجزيرة العرب، رجل يزعم أنّه واحد دهره في الأدب، وأنّه أدرك من أسرار البيان، ما لم يدركه إنسٌ ولا جان، وقد اشتُهر بابن الغلامي، أو...
علّمونا ونحن صغار أنّ «الصمت من ذهب»، وكان جدّي لأمّي يكرّر لي البيت: يموت الفتى من عثرةٍ من لسانِهِ/وليس يموت المرءُ من عثرة الرّجْلِ، وقديماً قال جدّنا أكثم بن صيفي: «الصمت حُكمٌ وقليلٌ فاعله». كبرنا،...
قبل الاستفتاء على التعديلات الدستورية في تركيا، وأثناءه وبعده، لم تتوقف جريدة الحياة اللندنية عن الهجوم على الحكومة التركية. كانت هذه الصحيفة معروفة إلى عهد قريب بحرصها على عدم إبراز أيديولوجيتها، وباستقطابها كتّاب رأي ليسوا...
كان يا ما كان، في آخر الزّمان، أنّ رجلاً كان مريضاً فتعافى، فغضبت عجوزٌ كانت ذات يوم سبباً في إمراضه حتى مزّقته إرباً إرباً، وطفقت تولول وتشقّ جيبها، وتدعو بالثبور، وعظائم الأمور، فلم تكن تتوقّع...
حدّث سهم بن كنانة، قال: في أواخر القرن الرابع عشر، قبل أن تُولد الفضائيات وتنتشر، ظهرت في جريدة اسمها «اليوم»، قصيدة أثارت كثيراً من اللوم، وكانت متحرّرة القوافي، واسم كاتبها حميد غريافي، وقد جاء في...
تسعى الخطابة السياسية عادةً إلى توحيد المواقف، وردم الفجوات، والتركيز على القواسم المشتركة. هذا هو لبّ الخطابة وفلسفتها عبر التاريخ: الدعوة إلى «التعاون»، وإحياء الروح الجماعيّة، وتغليب المصلحة العامة على الخلافات البينيّة. لكنّ ذلك لا...
كنّا نعرف أنّ «تحرير» الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، من قبضة تنظيم داعش سيكون دامياً، وكنّا نترقّب فقط مشاهد القتل الجماعي لأهل تلك المدينة بحجة تحريرهم من الإرهاب. لكن لم نكن نتوقع أنّ المجازرستثير في...
حدّث سهم بن كنانة، قال: اعتراني ذات يوم السأم، وشعرت بأنواع الألم، وجفا عينيّ الكرى، وعادت صحّتي القهقرى، فراودتني الرغبة في الخروج، والاستئناس بين المروج، ودُللتُ على قرية تُسمّى «سراج»، شعارها «لدينا كلّ ما تحتاج»،...
كان الرئيس التركي، أردوغان، محقّا في اتهامه عدداً من دول الاتحاد الأوروبي بالارتهان للفاشية والنازيّة إثر إلغاء ألمانيا عدداً من التجمّعات الانتخابيّة التي كان من المقرّر أن يحضرها وزراء أتراك في مدن ألمانيّة، ومنع هولندا...