alsharq

د. وائل مرزا

عدد المقالات 101

الثورة السورية: مشاهد وتعليقات

14 أغسطس 2011 , 12:00ص

يتحدث الكثيرون عن الثورة السورية من ألف زاوية وزاوية، ويَجهدُ كثيرٌ منهم في شرح ملامح عبقريتها وتفرّدها المتميز، لكن الثورة تُظهر ماهيّتها الحقيقية حين تتحدث عن نفسها بلسان أهلها والمشاركين فيها على مختلف المستويات. فليكن هذا المقال محاولة يعيش القارئ الكريم من خلالها مع بعض مشاهد الثورة وشيء من التعليق على تلك المشاهد. حريٌ بنا أن نبدأ بمشهد اقتحام مدينة حماة حين جرى اجتياحها بوحشية لا تليق بالإنسانية، ولا يجدر بنظام يعيش في هذا العصر أن يمارسها حتى لو تعلّق الأمر بمدينة تقع في بلدٍ عدو، كيف كان ردّ فعل أهل المدينة الجريحة البطلة؟ علّق مراسل جريدة «الغارديان» البريطانية على الأمر موضحاً أن المحتجين الذين كانوا يحرسون الحواجز التي أقاموها في شوارع المدينة رفضوا الانسحاب لدى قدوم الدبابات السورية، بل حاولوا التصدي لها باستخدام ما تيسر لهم من عصي وحجارة، ولخّص حديثه بالقول: «كان شيئا لا يُصدّق، أن يجري الناس نحو مصادر النيران بدلا من أن يهربوا منها»!. كان هذا الموقف البطولي النادر جزءاً من مشهد الأسبوع الأول من رمضان، لكنّ الكاتب الأردني محمد أبو رمان لخص الجزء الآخر من المشهد قائلاً: «ماذا أبقيتَ لنتنياهو؟! فقط خلال الأسبوع الأول من رمضان قام الأسد بارتكاب مجازر هائلة، وإبادة جماعية، وحصار مدن بالدبابات، وقصفها بالأسلحة الثقيلة، وقطع الكهرباء والماء، وقتل الأطفال والنساء، وعزلة دولية وإقليمية، وعشرات الآلاف من المشردين السوريين على دول الجوار، وجماهير عربية تخرج تطالب بطرد السفراء السوريين وقطع العلاقات مع هذا النظام، ودعاء في الجوامع على النظام»، ولا نعتقد أن المفارقة بين الموقفين تحتاج إلى تعليق. خلال أيام هذا الأسبوع نفسه وقبله، مرّت مشاهد عديدة أخرى فيها الكثير من الدلالات، وفي أحدها نرى الفنان نوار بلبل، أحد أبطال مسلسل باب الحارة، على رأس مظاهرة تُطالب بالحرية والكرامة وهو يُكبّرُ ويؤكدُ على سلمية الثورة ووحدتها الوطنية الشاملة، هكذا يذكّرنا نوار بأن الفن رسالة، وبأن الفنان ضمير الشعب، صحيحٌ أننا رأينا الفنان الحرّ في كثير من المشاهد التمثيلية، لكننا هنا، وهنا فقط، نرى نوار الحقيقي في مشهد «يبيع» فيه التمثيل كصنعة، ويشتري الفنّ كرسالة، ويشتري معها حريته وحرية وطنه، بثمنٍ قد يكون غالياً، لكنه رخيصٌ في سبيل تلك الحرية، وبهذا الفعل، نرى بأعيننا كيف تكون (الشهادة) على كل المتخاذلين والمنافقين والجبناء. في مشهدٍ آخر نلمح حسام الدين ملص، رجل الأعمال والصديق الشخصي السابق للرئيس، يكتب له رسالة معبّرة بدأها بقوله: «صديقي بشار، لقد بلغني أنك «شخصياً زعلان» مني، أنا صديقك في مدرسة معهد الحرية، فراجعت نفسي عن سبب استيائك مني»، وبعد أن يستعرض في الرسالة حجم أمله الكبير مع بداية العهد بولادة سورية جديدة وكيف أنّه صدّق خطاب القسم ودافع عن سياسات صديقه سنوات، ينتقل لشرح خيبة أمله الكبيرة مع بداية الثورة وبعد الخطاب الأول بعد بداية الثورة بقوله: «وجاءني قرارك واضحا وصارخا في خطابك الأول، فوجدت نفسي أمام خيارين، إما أن أقف بجانب صديق الدراسة أو أن أقف بجانب سوريا وشعبها، وما إن ناصرت الحق حتى بدأت تهديدات رجال أمنك تحلّ علي من كل صوب، فاضطررت أن أغير اسمي وأن أختبئ داخل وطني خوفاً من رجال أمن صديقي.»، ليختم قائلاً: «فإذا أنت «شخصياً زعلان» من صديقك اليوم بعد أربعة أشهر ونصف الشهر من انتفاضة الكرامة والحرية، فأنا شخصياً وإنسانياً ووطنياً أتبرأ من صداقتك». وتتالى مشاهد الإساءة الجارحة للثورة باسم الدين، فينبري أحد المثقفين لإظهار حجم التناقض المنهجي الكامن في دعاوى النظام من الثورة بتعليقٍ على صفحة (مثقفون لأجل سورية) يقول فيه: «يقول الـبوطـي: هؤلاء المتظاهرون لا تعرف جباههم السجود، وهؤلاء المتظاهرون الصائمون لا تعرف أفواههم الصيام، وهؤلاء المتظاهرون لا تعرف أيديهم الزكاة، يعني من الآخر كفرة إلا شوي، طيّب يا شيخ الشبيحة احكي هالحكي لنظامك لأنّو عم يقول عنّا سلفيين».. وفي مشهدٍ آخر، نرى أهل حي الرّمل في اللاذقية يخرجون في مظاهرة لتحية دول الخليج التي سحبت سفراءها، ونرى الألعاب النارية جزءاً من إخراج التظاهرة! قد يستغرب البعض من مثل هذه الممارسة، لكن الاستغراب يزول فوراً إذا فكّرنا فيها من زاويةٍ أخرى، فهذا الإبداع يدلّ على روح الحياة الكامنة في الشعب السوري رغم ظلال الموت التي يحاولون إحاطته بها، نحن هنا بإزاء شعبٍ مُفعمٍ بالحياة، والحياة الكريمة الطيبة بكل عناصرها، شعب يرفض أن تسيطر عليه ثقافة الموت مهما حاول أن يبثها في القلوب تتارُ العصر، هكذا ينبغي أن نفهم الظاهرة، فندرك معانيها الكبرى بدلاً من أن ننظر إليها بشكلٍ سطحي عابر ومُختزل وبسيط. وفي إحدى المشاهد يسقط شهيدٌ من حي الميدان في دمشق، فنرى جنازته الضخمة يسير فيها أكثر من خمسة آلاف شخص تسير في قلب دمشق مسافة تتجاوز خمسة كيلومترات وتستمر قرابة ثلاث ساعات، ودون جريح واحد، ماذا يعني الكلام السابق؟ يعني أن (العاصمة) باتت في قلب الثورة، ويعني، أكثر من ذلك، أن النظام لا يجرؤ على التعامل مع المتظاهرين فيها كما يتعامل مع إخوانهم الأبطال في المناطق الأخرى، وهذا يوفر لثوارها فرصةً من جانب، لكنه يضع عليهم مسؤولية وطنية كبرى من جانب آخر. وأخيراً، نرى في المشهد الكبير كيف بدأ النظام العربي والإقليمي والدولي برفع الغطاء تدريجياً عن النظام السوري، نرى السعودية والكويت والبحرين تستدعي سفراءها، نسمع التصريحات التي تستنكر ممارسات النظام بكل وضوح وجلاء، فلا نخجل من الحديث عن مشاعر التقدير ونحن نتوقع المزيد من الدعم للثورة والدفاع عن مظلومية الشعب السوري، لكننا نعود لنرى إصرار هذا الشعب وعزيمته على التغيير الجذري والكامل رغم كل التضحيات، فنتذكر أنه اللاعب الأساس في المسألة بأسرها. نتذكر أن ثمّة حاجة لنعيش مع أجواء تُصحح بوصلتنا في كل يوم، فقد ينسى الكثيرون، خاصة من المعارضين والنشطاء في خضم عملهم وأسفارهم ومشاغلهم، ضرورة تصحيح البوصلة نفسياً وعملياً سياسياً، ويغرقون في روتين التخطيط السياسي والإعلامي، فتفقد حركتهم شعلة الروح الثورية، والارتباط الدائم والمستمر بنبض الشعب والثوار، بل ربما ينسون أن ما يفعله الشعب البطل هو الذي يفرض الواقع الجديد والمواقف الجديدة، وأن عليهم أن يخاطبوا الثوار ليل نهار قائلين: «يا أبطالنا الأحباب: نحن منكم وبكم وإليكم، لا نساوي شيئاً من دونكم، لا نستطيع إنجاز شيء بعيداً عن جهدكم وتضحياتكم، لا يمكن لنا أن نضغط على أحد أو نحاور أحداً أو يستجيب لنا أحدٌ في معزلٍ عن فعلكم الثوري الحضاري المُهيب وصمودكم الأسطوري، نعاهدكم ألا ننسى هذه الحقيقة أبداً». والأولى طبعاً أن تتردد هذه المقولة بلسان الحال قبل لسان المقال.

الحكومة المؤقتة في سوريا.. أو الطوفان

بعد بضعة أيام من نشر هـذا المقال، يعقد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية اجتماعاً سيكون من أكثر الاجتماعات حساسية في تاريخه وتاريخ الثورة السورية، إن لم يكن أهمها على الإطلاق. وتنبع خطورة الاجتماع بالدرجة...

الثورة السورية.. وقصة البشرية على الأرض

{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعلُ فيها من يُفسدُ فيها ويسفكُ الدماء ونحنُ نُسبّحُ بحمدك ونُقدّس لك قال إني أعلمُ ما لا تعلمون}. بغضّ النظر عن الحشو الذي يملأ بتفاصيله...

عرب المشرق وطوفان إيران

لم يعد ثمة مجالٌ على الإطلاق، وبأي حسبةٍ من الحسابات، أن يسمح عربُ المشرق، ومعهم تركيا، لهذا الطوفان الإيراني أن يجتاح المنطقة بهذا الشكل الصارخ، ليس فقط في قباحته وابتذاله، بل وفي دلالات الموقف الدولي...

الثورة السورية بين مفتي السعودية والقرضاوي

منذ بضعة أيام، صدرت عن الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مواقفُ نعتقد أنها غير مسبوقة، وأن دلالاتها السياسية والدينية والثقافية تحتاج إلى كثيرٍ من التأمل. خاصةً عندما نفكر بأسبابها من جهة، ومآلاتها...

هل تفهم أميركا الثورة السورية بشكلٍ استراتيجي؟

قلائلُ هم الرؤساء الأميركان الذين يعرفون لماذا وصلوا فعلاً إلى البيت الأبيض, وماذا سيفعلون فيه على وجه التحديد. هذه حقيقةٌ معروفةٌ في أميركا، رغم أن عدد ساسة هذا البلد الذين يحلمون بالوصول إلى أهم موقعٍ...

الثورة السورية والمشهد الإقليمي

ما من شكٍ أن ثوار سوريا على الأرض كانوا ولا يزالون وسيبقون أصحاب القرار الحقيقي، لا نقول فيما يتعلق بمصير الثورة السورية، وإنما في تحقيق نصرها المؤزر في نهاية المطاف. لكن هذا لا يتناقض مع...

الحكومة السورية المؤقتة نقلة في عمل المعارضة

من الممكن جداً أن يكون تشكيل الحكومة السورية المؤقتة نقلةً هامة على طريق تحقيق أهداف الثورة السورية. ثمة مؤشرات عديدة على أن هذا الأمر في وارد الحصول، رغم الشكوك التي يطرحها البعض هنا وهناك. يبدأ...

الحكومة السورية المؤقتة.. حقائق وشبهات

منذ أكثر من خمسة شهور، وفي لحظة تأسيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، كان أعضاؤه يعرفون، ومعهم العالم أجمع، أن الائتلاف هو المؤسسة الأم التي ستتولد عنها ثلاث مؤسسات أخرى أحدُها الحكومة المؤقتة. لم...

تحدي «استقلالية» قرار الثورة السورية

كثيرةٌ هي التحديات التي تواجه الثورة السورية، لكن تحدي الحفاظ على (الاستقلالية) بحساباتها وموازناتها الشاملة قد يكون أكثرهاً خطورةً وأهمية. وإذا أخذنا بعين الاعتبار الموقع الاستراتيجي لسوريا فإن التعامل مع هذا التحدي كان وسيبقى مهمةً...

الحكومة السورية المؤقتة: لماذا وكيف؟

كلما قلتُ متى موعدُنا ضحكت هندٌ وقالت بعد غد. قد يعبّر هذا البيت من الشعر العربي عن حال الثورة السورية مع معارضتها السياسية. فرغم المحاولات المختلفة للقيام بالدور المطلوب من قِبلها، لا تبدو هذه المعارضة...

«الهجرة» السورية الكبرى

يمكن وصف الثورة السورية بألف طريقة وطريقة، فهي تحمل في طياتها بحراً من المعاني سيأتي قريباً اليومُ الذي تظهر دلالاتهُ الحقيقية للناس. لكن وصف (الهجرة) قد يبدو في هذه المرحلة مُعبّراً عن واقع السوريين أكثر...

سوريا.. ولادةُ وطن

في عددها مطلع الأسبوع الماضي، نشرت مجلة الإيكونوميست البريطانية مقالاً بعنوان «سوريا، موت وطن». وعلى غلاف العدد، وضعت المجلة رسماً من ثلاثة أسطر يُعبّر عن دمار سوريا بشكلٍ تدريجي وصولاً نحو الخراب الكامل. بعدها بأيام،...