لماذا تتمرد المدن الغنية؟ (2-2)
12 نوفمبر 2019 , 01:57ص
بسبب أسعار المساكن شديدة الارتفاع، يُدفع أغلب الناس بعيداً عن المناطق التجارية المركزية، ويعتمدون عادة على المركبات الشخصية أو وسائل النقل العام للذهاب إلى العمل، وبالتالي فربما يكون قسم كبير من عامة الناس حساساً بشكل خاص للتغييرات في أسعار النقل، كما يتضح من انفجار الاحتجاجات في باريس وسانتياجو.
الواقع أن هونج كونج، وفرنسا، وشيلي ليست وحدها في مواجهة أزمة الحراك الاجتماعي والمظالم بشأن فجوات التفاوت، فالولايات المتحدة تشهد ارتفاعاً كبيراً في معدلات الانتحار، وغير ذلك من علامات الكدر الاجتماعي، مثل إطلاق النار على حشود، في وقت يتسم بقدر غير مسبوق من التفاوت بين الناس وانهيار الثقة العامة في الحكومة، ومن المؤكد أن الولايات المتحدة ستشهد مزيداً من الانفجارات الاجتماعية إذا واصلنا العمل السياسي والاقتصادي كالمعتاد.
إذا كان لنا أن نتجنب هذه النتيجة، فيتعين علينا أن نستخلص بعض الدروس من أحدث ثلاث حالات، لقد باغتت الاحتجاجات الحكومات الثلاث، فمع فقدانها القدرة على التواصل مع المشاعر العامة، لم تتوقع هذه الحكومات أن يؤدي إجراء سياسي بسيط في ظاهره «مشروع قانون تسليم المجرمين في هونج كونج، وزيادة ضريبة الوقود في فرنسا، ورفع أسعار تذاكر المترو في شيلي» إلى إشعال شرارة انفجار اجتماعي هائل.
لعل الأمر الأكثر أهمية، والأقل إثارة للدهشة، هو أن التدابير الاقتصادية التقليدية غير كافية على الإطلاق لقياس المشاعر الحقيقية لجماهير الناس، فنصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي يقيس متوسط دخل أي اقتصاد، لكنه لا ينبئنا بأي شيء عن توزيعه، أو تصورات الناس حول العدالة والظلم، أو شعور عامة الناس بالضعف المالي، أو غير ذلك من الظروف «مثل الثقة في الحكومة»، التي تؤثر بشدة على نوعية الحياة في المجمل، كما أن تصنيفات مثل مؤشر المنتدى الاقتصادي العالمي للتنافسية العالمية، ومؤشر مؤسسة التراث للحرية الاقتصادية، ومقياس جامعة سيمون فريزر للحرية الاقتصادية على مستوى العالم، لا تعبر إلا قليلاً عن شعور عامة الناس الشخصي بالنزاهة والعدالة، وحرية اتخاذ القرار بشأن اختيارات الحياة، ونزاهة الحكومة، وجدارة إخوانهم المواطنين بالثقة. لمعرفة المزيد عن هذه المشاعر، من الضروري أن نسأل جماهير الناس بشكل مباشر حول رضاهم عن الحياة، وشعورهم بالحرية الشخصية، وثقتهم في الحكومة ومواطنيهم، وحول أبعاد الحياة الاجتماعية الأخرى التي تؤثر بشدة على نوعية الحياة، وبالتالي على احتمالات الفوران الاجتماعي. هذا هو النهج الذي تتبعه دراسات مؤسسة جالوب السنوية لاستقصاء مستويات الرفاهة، التي أقوم أنا وزملائي بتسجيلها كل عام في تقرير السعادة العالمية.
تتمثل فكرة التنمية المستدامة، التي تنعكس في أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر التي تبنتها حكومات العالم في عام 2015، في تجاوز المؤشرات التقليدية مثل نمو الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد في الدخل، إلى مجموعة أكثر ثراء من الأهداف، بما في ذلك العدالة الاجتماعية، والثقة، والاستدامة البيئية، على سبيل المثال، تلفت أهداف التنمية المستدامة قدراً خاصاً من الاهتمام ليس فقط للتفاوت في الدخل «هدف التنمية المستدامة العاشر»، بل أيضاً لمقاييس الرفاهة الأعرض اتساعاً «هدف التنمية المستدامة الثالث».
يتعين على كل مجتمع أن يقيس نبض سكانه، وأن ينتبه جيداً إلى مصادر التعاسة الاجتماعية وانعدام الثقة، إن النمو الاقتصادي في غياب العدالة والاستدامة البيئية وصفة مؤكدة للفوضى، وليس للرفاهة. وسوف نحتاج إلى توفير قدر أكبر كثيراً من الخدمات العامة، ومزيداً من إعادة توزيع الدخل من الأغنياء إلى الفقراء، ومزيداً من الاستثمارات العامة لتحقيق الاستدامة البيئية، وحتى السياسات المعقولة بوضوح مثل إلغاء دعم الوقود أو زيادة أسعار تذاكر المترو لتغطية التكاليف، من شأنها أن تفضي إلى ارتباكات هائلة إذا جرى تنفيذها في ظل ظروف انخفاض الثقة الاجتماعية، واتساع فجوات التفاوت، وإحساس مشترك على نطاق واسع بالظلم.