أميركا وأوهام النمو (1-2)
01 يونيو 2019 , 03:45ص
أصبحت السياسة الوطنية في الولايات المتحدة مستعبدة لمؤشرات الاقتصاد الكلي، التي لا تؤثر إلا قليلاً على الرفاهية الحقيقية في نظر العديد من المعلقين، يشير معدل النمو اللحظي الذي بلغ 3.2% خلال الربع الأول من عام 2019، مقترناً بانخفاض معدل البطالة إلى 3.6% في أبريل، إلى أن السياسات الاقتصادية التي ينتهجها الرئيس دونالد ترمب باتت مبررة، حتى إن بعضهم يفترض أن فرص إعادة انتخابه تحسنت نتيجة لذلك.
في دفاعه عن التخفيضات الضريبية لعام 2017، والتي يعزى إليها الفضل في نمو إضافي في الناتج المحلي الإجمالي للفترة 2018-2019 بنسبة 1.1%، يكتب الخبير الاقتصادي روبرت جيه. بارو من جامعة هارفارد: «أرى أنه من البديهي أن يكون النمو الاقتصادي الأسرع أفضل من النمو الاقتصادي الأبطأ، لأن الملايين من الناس يستفيدون من معدلات النمو الأعلى»
ولهذا أدعو بارو إلى التفكير في ما يقوله الناس فعلياً، وفقا لأحدث استطلاعات مؤسسة جالوب، وافق 40% من الجمهور على التخفيضات الضريبية لعام 2017، في حين رفضها 49% -وهو تقييم سلبي صافٍ أكدت عليه استطلاعات رأي أخرى حديثة كثيرة- الواقع أن جماهير الناس تنظر إلى ما وراء أي زيادة مؤقتة في الإنفاق، وهي تشعر بالقلق إزاء فجوات التفاوت متزايدة الاتساع في الدخل والثروة، وعجز الموازنة الذي ارتفع، وتبعاً لبارو ذاته -عبر ريكاردو- فإنهم يتكهنون على الأرجح بقدوم زيادات ضريبية في المستقبل.
والمعارضة المستمرة للتخفيضات الضريبية ليست العلامة الوحيدة على الرعب بين عامة الناس، فهناك علامات أخرى أشد وضوحاً، فالبلاد منقسمة بالتساوي بشأن الظروف الاقتصادية الإجمالية، حيث يصفها نصف الناس بأنها «ممتازة» أو «جيدة»، في حين يصفها نصفهم الآخر بأنها «معقولة» أو «هزيلة»، يعتقد نحو 49% من الأميركيين أن الوضع الاقتصادي يتحسن، في حين يشعر 50% منهم بأنه يزداد سوءاً أو لا يتغير، في الإجمال، يشعر 31% فقط بالرضا عن اتجاه البلاد، بينما يرى 67% أنه غير مرضٍ.
تخفي مؤشرات الاقتصاد الكلي كثيراً عن نوعية الحياة على سبيل المثال، حتى على الرغم من توسع الاقتصاد الأميركي خلال السنوات الأخيرة، استمرت أزمة الصحة العامة في أميركا في التصاعد، كما شهدت الولايات المتحدة سنتين متتاليتين من انخفاض متوسط العمر المتوقع، في عام 2016 ثم في عام 2017، وهو أطول انخفاض على التوالي منذ الحرب العالمية الأولى ووباء الإنفلونزا الذي تلاها، بيد أن الانخفاض الحالي راجع إلى اليأس وليس المرض، فقد ارتفعت معدلات الانتحار والجرعات الزائدة من المواد الأفيونية إلى عنان السماء.
وباء آخر ينذر بالخطر ولا تظهره مؤشرات مثل الناتج المحلي الإجمالي أو معدلات البطالة، هو الارتفاع الحاد في مستويات القلق والهلع بين الأميركيين، على حد تعبير مؤسسة جالوب: « قال أغلب الأميركيين -55%- في عام 2018، إنهم عانوا من التوتر والإجهاد خلال قسم كبير من اليوم، وقال 45% إنهم شعروا بالقلق كثيراً، وقال أكثر من واحد من كل خمسة -22%- إنهم شعروا بالغضب كثيراً».