أميركا وأوهام النمو (2-2)
04 يونيو 2019 , 02:45ص
كانت معدلات التوتر والقلق والغضب عند أعلى مستوياتها في عشر سنوات في عام 2018 في الولايات المتحدة، وكان شعب الولايات المتحدة سابع أكثر شعوب العالم توتراً في عام 2018، أقل توتراً من شعوب اليونان، والفلبين، وإيران، ولكن أكثر توتراً من شعوب أوغندا، وتركيا، وفنزويلا.
تتفق قياسات الإجهاد والتوتر هذه مع اكتشاف آخر بارز، فقد انحدر في عام 2018 أيضاً مستوى السعادة وفقاً لرأي الأميركيين أنفسهم، عندما سألتهم مؤسسة جالوب في عام 2018، كيف يقيّمون حياتهم على مقياس من صفر "أسوأ حياة" إلى عشرة "أفضل حياة"، كان رد الأميركيين في المتوسط 6.9، انخفاضاً من 7.0 في عام 2017، و7.3 خلال الفترة من 2006-2008، كما انحدر مستوى الرضا عن الحياة خلال العقد الماضي، حتى على الرغم من ارتفاع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وفي عام 2018، احتلت الولايات المتحدة المرتبة العشرين على مستوى العالم، وبين النصف السفلي من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، انخفاضاً من المرتبة التاسعة عشرة في الفترة من 2016-2018.
وحتى بمصطلحاتهم المختارة، كانت بيانات الناتج المحلي الإجمالي والبطالة أقل إبهاراً مما تشير إليه العناوين الرئيسية، على سبيل المثال أظهر نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول طفرة في المخزونات، وهو ما قد يشير إلى تباطؤ نمو الناتج في الأرباع المقبلة، وهو على أية حال تقدير أولي، على نحو مماثل -في حين أن انخفاض معدل البطالة أمر مشجع بكل تأكيد- فإن جزءاً من الانخفاض المبلغ عنه في أبريل عكس انخفاضاً في قوة العمل، الأمر الأكثر أهمية أن معدل تشغيل العمالة يظل أقل كثيراً من الطفرة التي سجلها سابقاً، وقد توقف معدل التوظيف المدني في أبريل 2019 عند مستوى 60.6 % من السكان في سن العمل، انخفاضاً من ذروته السنوية التي بلغت 64.4 % في عام 2000، ويعكس قسم كبير من معدل البطالة المنخفض حالياً في أميركا انسحاب العديد من الأميركيين من ذوي الأجور المنخفضة من القوة العاملة.
الواقع أن غالبية الأميركيين ليسوا سعداء إزاء الطريقة التي تسير بها الأمور في بلادهم، ولا هم من السذاجة بالقدر الكافي لكي يتصوروا أن التخفيض الضريبي لعام 2017 هو حل لمشاكلهم، فهم على النقيض من العديد من خبراء الاقتصاد الكلي، يعلمون أن في الحياة ما هو أكثر أهمية من زيادة قصيرة الأجل في نمو الناتج المحلي الإجمالي أو انخفاض في معدل البطالة، إنها في أفضل الأحوال لقطات غير واضحة تهمل المستقبل، وتتغافل عن أشكال التفاوت في النتائج، وتفشل في التعبير عن القلق المتصاعد بين الأميركيين الذين يعيشون في ظل نظام رعاية صحية مبالغ في تقدير قيمته، وديون طلابية ضخمة، فضلاً عن الافتقار إلى الحماية الوظيفية، وهي لا تعكس انخفاض متوسط العمر المتوقع والأعباء المتزايدة المترتبة على تعاطي المخدرات والانتحار والاكتئاب.
لقد حان الوقت ليبدأ أهل الاقتصاد والخبراء والساسة، النظر بطريقة شمولية إلى الحياة في عصرنا، وأن يأخذوا على محمل الجد التغييرات البنيوية طويلة الأمد اللازمة للتصدي للأزمات المتعددة، المرتبطة بالرعاية الصحية واليأس والتفاوت بين الناس والإجهاد والتوتر، في الولايات المتحدة والعديد من البلدان الأخرى، وينبغي لمواطني الولايات المتحدة على وجه الخصوص، أن يتأملوا في حقيقة مفادها أن شعوب دول أخرى كثيرة أكثر سعادة وأقل قلقاً، كما أن أفراد هذه الشعوب يعيشون حياة أطول، في عموم الأمر لا تخفض حكومات هذه الدول الأخرى الضرائب لصالح الأغنياء، وتقلّص الخدمات المقدمة لبقية المواطنين، وتهتم هذه الحكومات بالصالح العام، بدلاً من رعاية مصالح الأغنياء، والإشارة في الوقت ذاته إلى إحصاءات اقتصادية وهمية، تخفي من الحقائق قدر ما تكشف عنه.