في سوريا «حرب إبادة» كما في العراق
10 نوفمبر 2012 , 12:00ص
الحمد لله أن فينا من أصحاب القرار والضمير العربي المتيقظ على قلتهم ليدقوا جرس الإنذار استشعارا لخطورة تصنيف الثورة السلمية لأهلنا في سوريا على أنها «حرب أهلية». الإبراهيمي الأخضر لم يصدر هذا التصنيف اعتباطا، بل بتوقيت مدروس في سياق عمل موصى به غير معلن. لكن خيوطه يمكن استجماعها بالعودة إلى حيث وصل سابقه كوفي عنان بعد جولة له مشابهة لجولة الإبراهيمي الأخيرة في دول كبرى وإقليمية حين بدأ الحديث عن «أطراف الصراع». وقتها كان قد ورد في مقالي «المهمة الأممية في سوريا» في أغسطس الماضي كان واضحا أن ما تسمى بـ «الوساطة الدولية» ممثلة بعنان تتحسس نبضات الدول «الفاعلة» ليعبر عن لسان حالها بالتعامل مع الأزمة السورية على أنها «حرب أهلية»، سعيا للوصول بها إلى نهايات التجزئة القومية والدينية كما حصل في يوغسلافيا والبوسنة والهرسك خصوصا. هنا بعد الوصول بـ «إدارة» الأزمة إلى هذا «التصنيف السياسي» وفقا لرؤى القوى الكبرى الفاعلة ومصالحها، انتهى دور عنان نتيجة لتضعضع مصداقيته بنظر الرأي العام إلى درجة لم يعد قادرا على المضي بمشوار تنسيق هذه الرؤى والمصالح. ما تطلب مهلة ركود في التعامل الدولي واختيار مبعوث بديل، على أن يكون مجرد منفذ لا مبادر ليواصل المشوار من حيث انتهى عنان.
هكذا انتقل الإبراهيمي إلى المرحلة التالية لـ «إدارة الأزمة» بتصنيفه للثورة السورية على أنها «حرب أهلية» انطلاقا مما وصل إليه عنان من حديث عن «الأطراف المتصارعة»، الأخطر أن يصدر الإبراهيمي هذا التصنيف وهو مبعوث باسم الجامعة العربية، والأخطر أيضا أن يتبع الإبراهيمي ذلك بعد أشهر من التسويف بالإشارة إلى رؤى جديدة سيقدمها إلى مجلس الأمن بعد جولته الأخيرة. هنا لا بد من الحذر من ماهية هذه الرؤى التي يتوقع أن تحاكي جانبا من الحلول لما وصف حينها بـ «الصراع بين الأطراف» ثم «الحرب الأهلية» في البوسنة والهرسك. بما سيوصل سوريا بالنتيجة إلى حاضر العراق. هذا ما تم توضيحه منذ أن تردد اسم الإبراهيمي حتى قبل تعيينه مبعوثا رسميا في مقال اعتمد في يوليو الماضي بعنوان «الإبراهيمي من ماضي العراق إلى حاضر سوريا» بدل العنوان الأصلي «حذار أن يوصل الإبراهيمي سوريا إلى حاضر العراق». ففي العراق كما الحال في سوريا لم يكن للإبراهيمي رؤيته الخاصة للحلول، بل إنه كما في كل الأزمات التي أدخل فيها وسيطا ومبعوثا كان مجرد منفذ لرؤى القوى الكبرى ومآربها في الوصول بهذه الأزمات إلى ما يخدم مصالحها.
هكذا خدم الإبراهيمي مشروع الاحتلال المعد مسبقا باسم «اتفاق أربيل» في تحويل العراق قسرا من دولة أصالة إلى دولة مكونات طائفية وقومية تخضع لسلطة «مكونات المكونات من الدخلاء أتباع إيران على كل من أصلاء البلد في جنوبه وشماله ووسطه». ما أشاع الفتن لخلط الأوراق وتشتيت أصلاء العراق وتهميشهم في إدارة بلدهم ومقدراته تنفيذا للهدف النهائي بإشاعة المشروع الصفوي كأساس لمشروع الفوضى الخلاقة في المنطقة. عندها يصبح واضحا لماذا تخلى حماة الديمقراطية هؤلاء عن دعم المعارضة الإيرانية في تظاهراتها. وكيف توافقوا مع إيران على إنهاء وجود منظمة خلق الإيرانية المعارضة في العراق. وكيف أنهم يتهمون قاسم سليماني بالإرهاب لكنهم لا يمانعون أن يجتمع به حلفاؤهم الحاكمون في العراق ويتلقون الأوامر منه. وكيف أنهم يتهاونون مع سماح حلفائهم هؤلاء بإمداد إيران بالعملة الصعبة وبنقل الإمدادات الإيرانية لنظام الأسد عبر العراق. ولن يكن مفاجئا أن تنتهي المفاوضات السرية التي كشف عنها مؤخرا عن توافق على البرنامج النووي الإيراني على حساب العراقيين والسوريين وكل شعوب المنطقة.
فلكل هذا الذي يجري سرا وعلنا فلسفته ليس فقط السياسية بل حتى العقدية. إذا ما تذكرنا ما غفل عنه إعلامنا من خطاب الرئيس الإيراني مؤخرا في الجمعية العامة للأمم المتحدة حين أوضح بابتهاج «أن المهدي المنتظر وعيسى عليه السلام سيتشاركان في إنقاذ العالم». وهذا ما يناقض أصل العقيدة الحاكمة في إيران بأن «المهدي الإمام الغائب لا غيره هو المنقذ الذي سيبيد تسعة أعشار العرب»، وأن من لا يؤمنون به وببقية الأئمة «مخلدون في النار». وهذا ينسحب بعقيدتهم الصفوية بحد سواء على أغلب المسلمين والمسيحيين واليهود وبقية البشر، لكن للخطاب السياسي في المحافل الدولية أحكام قد تبرر بعض الخداع لغير الأتباع، تسهيلا لتداخل المصالح بين المشروعين الصفوي والفوضى الخلاقة. فما قيمة الكلام إن كان الفعل فاعلا في التعاون القائم سرا وعلنا لتمكين النظام السوري من إبادة شعبه بالسلاح الصفوي المتساقط حقدا وكراهية في براميل الـ «تي.أن.تي» العشوائية الاستهداف للمدنيين العزل. وإيجاد الذرائع له في ذلك بتصنيف هذا العمل الإجرامي الجبان المنافي لكل القيم الإنسانية والأديان على أنه «حرب أهلية».
هكذا يتبين أن الإبراهيمي لم يكن اعتباطيا في هذا التصنيف الجائر بحق توق السوريين للعدالة والحرية كأسمى القيم الإلهية والإنسانية. ولم يكن اعتباطيا أيضا باتهامه لـ «طرفي الصراع» على حد سواء بخرق الهدنة إذا ما أخذ في الاعتبار أنه لم يكن لهذه الهدنة أساس في الواقع عدا في مخيلته. وبهذا يكون هو المسؤول الأول عن اختلاقها وبالتالي خرقها. كل هذا ليس اعتباطيا بل مبرمجا في إطار «إدارة الأزمة» والتهيئة النفسية بمقتضاها لإيصال الرأي العام لاسيما في سوريا إلى اليأس. وبالتالي القبول بأي حل سيعرض عليهم لاحقا. هكذا تم إيصال بسطاء البوسنة إلى القبول بأي حل، فالمهم أن يبقى «الرأس سالما» كما كانوا يمنون النفس. وعليه فرض عليهم حل يكرس واقع التجزئة والقبول بمجرمي الحرب شركاء في الحكم. في سياق هذا التوجه الذي يحاول الإبراهيمي فرضه على أهلنا في سوريا لا بد أن تحسب أيضا الخطب التي سمعناها تزامنا والحج في تحريم التوجهات الديمقراطية والمدنية. فمع التحفظ على الأفكار والمصطلحات المجردة والتمسك بالحرية الحقة لا بد من التساؤل عما إذا كانت هذه الخطب تفسر تهاون بعض الأنظمة مع نزيف الدم السوري انطلاقا من قناعتها بأن الصفوية أهون عليها من الديمقراطية.