


عدد المقالات 395
لا شك أن جانبا كبيرا من العبقرية الشريرة لنظام بشار الأسد يكمن في قدرته الهائلة على توظيف الثغرات العديدة في ثوب المجتمع الدولي لصالحه وتوسيع خرقها بشراسة. فقد بنى الأسد له مخزونا من سمعة العنف كانت كافية لتهجير أهالي بانياس وهم الجيب السني الوحيد الباقي في وسط منطقة علوية واسعة على ساحل البحر المتوسط بل إن مناصري النظام من حزب الله لم يترددوا في الاحتماء بتلك السمعة في قصف «القصير» بمواد كبريتية بعد الاستجابة الرخوة من العالم حيال استخدام جيش الأسد للسلاح الكيماوي. حقيقة أخرى تقول إن أسباب بقاء نظام الأسد على قدميه حتى الآن لا يكمن في عوامل دولية فحسب، بل إن للمقاومة والمعارضة والجيش الحر وجبهة النصرة يدا في ذلك البقاء، فقد كانت الأهداف عامة في سوريا منذ البداية، وبالترتيب التالي: - دحر الجيش السوري النظامي عسكرياً. - إطاحة بشار الأسد من السلطة. -إقامة نظام حكم ديمقراطي جديد. وهنا كان الخطأ، فقد ظهر عدد من الأهداف العملياتية الميدانية التي لا تتعدى قيمة إنجازها ميدان المعركة وأخذت صفة الاستراتيجية دون أن تستحقها على حساب الهدف الأسمى الذي يؤدي تحقيقه إلى إنهاء الأزمة برمتها. فدحر الجيش السوري هدف عملياتي وما كان يجب أن يكون النقطة المحورية حتى لا تتطور لحل وتسريح الجيش العربي كما حدث في العراق، بل كان ينبغي تكريس الهدف الرئيسي والتركيز على إقامة نظام حكم ديمقراطي جديد، وكان ينبغي تصنيف دحر الجيش النظامي وإطاحة بشار الأسد من السلطة على أنهما نتائج ضمن المستويات الثانوية المساندة، لكن غياب هذه الحقائق أدى إلى تعرية كل طموحٍ توهّميّ للثوار أمام تجمعات سورية أخرى. ولن نلوم المعارضة السورية بقسوة فقد كانت هناك نزعة عبر التاريخ في القفز بمفهوم فوق الآخر، ورفع المفهوم العملياتي إلى المستوى الاستراتيجي. ومن الأمثلة التقليدية المعروفة في صراع البعدين ما طبقه هتلر ضد فرنسا بالحرب الخاطفة في الحرب العالمية الثانية حين مزج جنرالاته قدرة المدرعات والقوة الجوية لخلق معركة حاسمة بتكتيك «الحصار والإبادة» في عملية « Operation Sichelschnitt» ومع أن هذا المفهوم العملياتي حظي بالنجاح عبر حصار الجيش الفرنسي وقصم ظهره، إلا أن تبنيه كمفهوم استراتيجي لم يحقق أهداف ألمانيا العليا، ولم يخلق التأثيرات التي كان هتلر يسعى إليها. فلم يضع نهاية للحرب، ولم يعزل إنجلترا، ولم يخلق التوسع والرفاهية لألمانيا. ويرى المحلل «هاري ياغر» أن عقيدة الصدمة والترويع « Shock and awe» التي نفذها الأميركان عام 2003م ضد نظام صدام قد رفعت في أذهان بعض مخططي البنتاغون وكأنها هدف استراتيجي، وهذا ما سبب فوضى احتلال العراق وغياب الاستراتيجية لصالح الإجراءات العملياتية، ما أدى لطرد الجنرال المتقاعد جيه جارنر «Jay Garner « من منصبه وتعيين السفير المتقاعد بول بريمر «Paul Bremer « ليدير الأمور بكارثية أشد فكان كمن يريد كسر قشرة البيضة بمطرقة تزن 20 كجم. وفي حالات الفهم الخاطئ كهذه، فإن المفهوم العملياتي لا يتمتع بالتطور والشمولية اللازمين لتحقيق الأهداف الاستراتيجية. وتعد المفاهيم العملياتية الجيدة شديدة الأهمية، ولكنها تكون مساندة للمفهوم الاستراتيجي فقط لا بديلا له. لقد أضاع الجيش الحر وامتداداته المدنية والعسكرية منطق الاستراتيجة في حرب الأسد وخلطها مع المستويات العملياتية، بل ورفع الأخيرة بديلا عنها. والأجدى لهم في هذه المرحلة صياغة الخطوات التي يعملون بها، وتحديد أنماط ومستويات الموارد الضرورية لدعم تلك الاستراتيجية حتى لا يتم نسخ التجربة العراقية وحل الجيش والتقسيم الطائفي. ومن الموارد الملموسة: القوات العسكرية سواء تحت بيرق الجيش الحر أو النصرة أو أية بيارق أخرى. ويعتبر الشعب السوري نفسه نازحا ومهجرا ومقيما من وسائل الدعم فلا يترك لذئاب مخيمات اللاجئين وعصابات الأحياء المدمرة وشبيحة الأسد، كما أن المعدات من غنائم ومساعدات خارجية أو مشتراة لها نفس أهمية الأموال والمنشآت فلا تدمر انتقاما ولا تهمل لضباع اللجان الخيرية المزيفة وتجار الحروب المروجين لشعارات زائفة ذات وقع تحرري فيما يستغلون في الوقت نفسه رغبة ضابط التموين في الجيش الحر، فالمشكلة الأساسية في الموارد الملموسة هي أنها نادرا ما تكون كافية على النحو المرضي. أما الموارد غير الملموسة والتي تمثل إشكالية لكونها غير قابلة للقياس غالبا، فتشمل الثقافة التي تدعم شرعية النضال، والإرادة الوطنية الآتية من كل قطاعات الشعب عبر قنوات ديمقراطية، والنيات الدولية الحسنة التي يجب حشدها لنصرة مطالب الشعب السوري. بالإضافة إلى الشجاعة في اتخاذ قرارات مرة وحاسمة حتى ولو كانت تعني حل وتشكيل المجالس والحكومات الانتقالية كلما كان ذلك ضروريا، بل إن التعصب للهدف الأسمى -رغم محاذير استخدامه- يعد من وسائل دعم الاستراتيجية. صحيح أن الفكر العسكري ذو مرتبة تفسيرية فقط، لا صانع للأحداث كصوت الرصاص في الميدان، وصحيح أن من المستحيل التنبؤ بالمستقبل، لكن من يضع عمله داخل قوالب استراتيجية محكمة الأهداف يمكنه التأثير في المستقبل وتشكيل ملامحه على كل المستويات بدل القتال يوما بيوم. وما فقدان اليقين الذي ينتهك بوحشية التفاؤل بزوال الأسد ونظامه إلا نتيجة الارتباك في تحديد الأهداف العليا. فرغم أن مبادئ الاستراتيجية تقول إن كسب المعارك هدف على المستوى العملياتي بينما يعد كسب الحرب هدفا استراتيجيا، إلا أن ثوار سوريا ما زالوا يتلقفون كل كسب عملياتي وكأنه قيام نظام حكم ديمقراطي جديد، متناسين أن عليهم الدخول بالتبعات التي ما زال جارهم العراق يعيشها بسبب تجاوز من أدار أموره لمبادئ بسيطة.
حتى وقت قريب، كنت أعتقد أن تقويم و»مرصد العجيري» هما أكبر طموح لنا في الكويت مع الفضاء الخارجي، حتى وإن لم تتعدّى نتائجه تحديد الصيام والعيد في خلط بين علم الفلك وعلوم الفضاء، ثم اطّلعت...
منذ أن أعلن نتنياهو نيته البدء يوم الأربعاء الأول من يوليو 2020، تنفيذ مخططاته التوسعية من خلال ضمّ الضفة، والأسئلة في العواصم الخليجية تتوالى أكثر من التحركات، بينما نرى أن التصدي الخليجي لقرار الضمّ أقرب...
بعد استنفاذها القيم الديمقراطية والحرية والعدل، أخذت أميركا تلقي في وجه العالم الكتل القبيحة الفائضة من حضارتها، فبعد تكشيرة قاتل جورج فلويد، وهو يتكئ على عنق الرجل المسكين بركبته، ظهرت ثقافة النميمة السياسية المدفوعة بالجشع...
استخدمت عواصم خليجية عدة في فترات قريبة كلمة «الحكومة» بدلاً من «النظام»، لوصف قادة سوريا، ولم يكن الأمر بحاجة لإعادة طرح سؤال نزق إن كنا خليجيين أولاً أم تجاراً أولاً؟! والآن نعيد طرحه مع توسيع...
بعكس كل دول العالم هذه الأيام، تقتل الحرب في ليبيا الشقيقة أكثر مما يقتل كورونا (كوفيد -19)؛ فإجمالي الإصابات بفيروس كورونا في ليبيا وصل إلى 256 حالة فقط، حتى الأسبوع الأول من يونيو 2020. فيما...
في أواخر الثمانينيات تعرّفت على الكمبيوتر عبر جهاز «صخر»، وكان عبارة عن لوحة مفاتيح تشبكها بشاشة التلفزيون العادي. وفي 1993 اشتريت أول كمبيوتر «ديسك توب»، ولم أتصوّر أنا ولا حتى بيل غيتس أن هناك ما...
نجح مصطفى الكاظمي في نيل ثقة البرلمان، وأصبح رسمياً رئيس وزراء العراق؛ ولأن الخليج يعتبر الكاظمي أقرب إليه من أي مرشح آخر فقد تم الترحيب بتنصيبه من أعلى المستويات السياسية الخليجية علانية ولأسباب كثيرة منها:...
لم يعرف المواطن الخليجي الوقوف في صفوف إلا في الصلاة، ومن نعم الله أن المواطن الخليجي لم يعتد الوقوف في الطوابير، وقد طوّعتنا جائحة «كورونا» لتفهّم ثقافة الطوابير، رغم أن طوابيرنا لا تُقارن بطوابير البؤس...
لقد قتلت العالم وهو يواجه فيروس كورونا «19-COVID» تناقضاته، فهو لا يعرف ما يريد، هل يقاوم أم يستسلم أم يهاجم؟ فقد كنا في موقف الدفاع أمام الجائحة، متخندقين بالحجر المنزلي، وأسلحتنا متوافرة وسهلة لا تتعدّى...
كان ولا يزال لـ «كورونا» القدرة على خلق مناخات استراتيجية قابلة للاشتعال، فالنزعة الفوضوية التي طبعت تعامل العالم معها ستفضي بدول العالم إلى تبني نزعة عدوانية تنافسية فيما بينها للتعويض عن خسائرها، ويرى المفكر الأميركي...
حين اكتشفت أن بداوتي تهمة لجهلي رعي الإبل والغنم؛ عيّرت الرفاق بأن تحضّرهم تهمة بقدر تهمتي؛ لكن ذلك لم يكفِ. وكان لا بدّ أن أقفز قفزة حضارية؛ ولأن الزراعة هي خطوة تتلو الرعي، تقاعدت من...
إذا كانت التحركات الاستراتيجية هي الخطة الشاملة للوصول إلى الهدف النهائي، فإن التكتيك هو خطة جزئية لتحقيق هدف جزئي؛ فإن التراجع الأميركي في العراق أقل من الاستراتيجي وأعلى بكثير من التكتيكي أو ما يعرف بتكييف...