alsharq

د. علي محمد الصلابي

عدد المقالات 117

أهمية حفظ اللسان في شهر رمضان المبارك

03 مارس 2026 , 11:27م

لقد شرع الله تعالى الصيام تزكيةً للنفوس، وتهذيبًا للأخلاق، وتطهيرًا للقلوب، وجعل شهر رمضان موسمًا عظيمًا لمراجعة الأعمال والأقوال، وإن حفظ اللسان من أجلِّ العبادات في شهر رمضان؛ لأن الصيام ليس مجرد امتناعٍ عن الطعام والشراب، بل هو امتناعٌ عن كل ما يغضب الله تعالى من قولٍ أو فعل. وقد نبّه القرآن الكريم إلى خطورة الكلمة وأكد على مسؤولية الإنسان عن كل يقوله أو ينطق به، قال سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (سورة ق: 18). فهذه الآية تذكّر المؤمن بأن كل لفظةٍ محسوبة عليه، وكل كلمةٍ مسجلة في صحائفه، فكيف إذا كان ذلك في شهرٍ يتطلب الالتزام المضاعف بالتوجيهات الربانية والالتزام الصارم بالأخلاق والفضائل الإسلامية، وتشتد فيه مراقبة العبد لربه؟ كما أمر الله تعالى المؤمنين بانتقاء القول الحسن، فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (سورة الأحزاب: 70-71). فالقول السديد سببٌ في صلاح العمل ومغفرة الذنوب، وهو في رمضان أولى وأحرى بالمسلم أن يفعله ويلتزم به، لأن الصائم يرجو تمام الأجر وكمال القبول. ومن أعظم ما يدل على ارتباط الصيام بحفظ اللسان قول النبي ﷺ: « قالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به، والصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولَا يَصْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ…» (البخاري، رقم: 1904) و(مسلم، رقم: 1151). فالنبي ﷺ بيّن أن الصيام وقاية، ومن تمام هذه الوقاية كفّ اللسان عن الرفث والصخب وسوء الكلام. بل إن خطورة اللسان قد تُذهب أجر الصيام، كما قال ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (البخاري، رقم: 1903). فالواجب على المؤمن أن يصون صومه عما حرم الله، فإن الصوم يقتضي أن يصون الإنسان لسانه وجوارحه عن كل ما حرم الله كما صام عن الطعام والشراب والمفطرات، يجب عليه أن يصوم عما حرم الله دائمًا في رمضان وفي غيره من قول الزور، من سائر المعاصي، من العقوق وقطيعة الرحم، من الغيبة والنميمة إلى غير هذا مما حرم الله، بل يجب أن يكون حذره منها في رمضان أشد وأكثر (الموقع الرسمي للشيخ ابن باز، باب أمر الصائم بحفظ لسانه وجوارحِه عن المخالفات والمشاتمة ونحوها). وقد حذر القرآن من الغيبة تحذيرًا شديدًا، فقال سبحانه: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ (سورة الحجرات: 12). فشبه الله الغيبة بأكل لحم الميت، وهي صورةٌ تقشعر لها الأبدان، فكيف يرضى الصائم أن يلوث صيامه بمثل هذا الفعل؟ ومن جوامع كلم النبي ﷺ في تهذيب اللسان قوله: « مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ والْيَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أوْ لِيصْمُتْ ..» (البخاري، رقم: 6018) و(مسلم، رقم: 47). فهذا ميزانٌ دقيق: إما كلمةٌ طيبة تُكتب في صحيفة الحسنات، أو صمتٌ يقي من الزلل. ورمضان فرصةٌ عظيمة لتدريب النفس على هذا الميزان؛ فالصائم حين يجاهد جوعه وعطشه، يكون أقدر على مجاهدة لسانه، وإذا تعوّد في هذا الشهر المبارك على ترك اللغو والباطل، سهل عليه الاستمرار بعده. فهذا الشهر العظيم، معسكر تدريبي، ومدرسة نموذجية، وواحة إيمانية، لحفظ اللسان، وصيانته من الباطل واللغو والكلام الفاحش والبذيء، واستثماره بذكر الله وتلاوة القرآن والدعاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الناس الخير (الشعبان، 2016). إن حفظ اللسان في رمضان يثمر صفاء القلب، وسلامة الصدر، وقبول العمل، ويجعل الصيام تربيةً متكاملة لا عادةً موسمية. فالكلمة الطيبة صدقة، والذكر تسبيح، وتلاوة القرآن نور، والدعاء مخ العبادة؛ وكلها من أعمال اللسان المأجورة التي تعظم في هذا الشهر الكريم. فلنغتنم أيام رمضان ولياليه، ولنحفظ ألسنتنا عن كل ما لا يرضي الله، رجاء أن نكون ممن صاموا فكان صيامهم مقبولًا، وقاموا فكان قيامهم مشكورًا، ونالوا مغفرة الرحمن ورضوانه. اللهم أعنّا على القيام والصيام وغض البصر وحفظ اللسان.

دعوة إبراهيم عليه السلام إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...

الشيخ اليمني محمّد بن إسماعيل العمرانيّ العالِم المربي والقاضي المصلح

يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (6-6).. الشيخ مصطفى السباعي (رحمه الله).. صفاته ومرضه ورحيله

تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (5-6).. الشيخ مصطفى السباعي وموقفه من الاستشراق والمستشرقين

يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (4-6).. الشيخ مصطفى السباعي.. وجهوده في الدفاع عن السُّنَّة النبوية

كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (3-6).. الشيخ مصطفى السباعي وفلسطين: بين الجهاد الميداني وبناء الوعي الدعوي

لم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا. لقد حملها في دمه...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة (2-6).. الشيخ مصطفى السباعي في الأزهر وميلاد مشروعه الإصلاحي

ليست البدايات في حياة العظماء تفاصيل عابرة بل هي المفاتيح الحقيقية لفهم مساراتهم وآثارهم. وحين نقف عند التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي فإننا نقرأ مرحلة تأسيسية صنعت عالماً عاملاً وداعية مجاهداً. فقد نشأ في بيئة...

من بيت العلم إلى طريق الدعوة.. التكوين المبكر للشيخ مصطفى السباعي رحمه الله (1-6)

شهد القرن العشرون نجوما ساطعة، وأقمارا هادية، وشموسا منيرة، وكواكب نيّرة من علماء الأمّة المصلحين الذين وقفوا بعلمهم وإيمانهم أمام العواصف العاتية في ذلك القرن الذي شهد تغيّرات جذريّة، وحروباً طاحنة، ومشاريع متصارعة على مستوى...

فقه التوكل في سورة يوسف.. قراءة تفسيرية في وصية يعقوب عليه السلام لأبنائه

تجسّد وصية نبي الله يعقوب عليه السلام لأبنائه في سورة يوسف نموذجاً بديعاً للتوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، حيث جمع بين الحكمة البشرية والإيمان العميق بالقضاء والقدر، ففي قوله تعالى على لسان يعقوب...

غزوة تبوك .. مدرسة في الإعداد النفسي والتربية القيادية

تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة القسوة...

غزوة حنين .. درسٌ رباني في أسباب النصر وسننه

تُعدّ غزوة حنين من الأحداث المفصلية في السيرة النبوية التي سجّلها القرآن الكريم لتبقى درسًا خالدًا للأمة عبر العصور، فقد كشفت هذه المعركة عن حقيقةٍ تربوية وإيمانية عميقة، وهي أن النصر لا يتحقق بكثرة العدد...

«ملّة إبراهيم».. طريق التوحيد الخالص وأساس دعوة الأنبياء

ملّةُ إبراهيم عليه السلام أساس رسالة التوحيد التي قامت عليها دعوة الأنبياء جميعًا، فهي الملة التي تدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده ونبذ الشرك بكل صوره. وقد أكد القرآن الكريم مكانة هذه الملة وسموّها، مبينًا...