


عدد المقالات 269
تحدثنا في مقال الأسبوع الماضي عن مشكلة النخب في العالم العربي وقسمنا النخب إلى أصناف عدة تحدثنا عن بعضها، ونستكمل حديثنا اليوم بالنخب الدينية والثقافية.
الدين كان دائماً حاضراً وبقوة في المجتمعات العربية والتي تسجل دائماً نسباً عالية في التدين حسب المسوحات العالمية مثل مسح القيم العالمي وغيره، لذلك كانت النخبة الدينية سواء من علماء الدين أو الدعاة والمفكرين الإسلاميين ذات تأثير بالغ على حركة المجتمع وتشكيل الرأي، وكما هو الحال مع النخب الأخرى انقسمت النخب الدينية إلى نخب معارضة وأخرى مدعمة للسلطة، استندت النخب المدعمة للسلطة على النصوص والاجتهادات الدينية التي تُستدعَى في مختلف المراحل التاريخية من قبل السلطات بأشكالها المختلفة في شأن طاعة ولاة الأمر وتحريم الخروج، والتي وإن كانت اجتهادات معتبرة إلا أن هذه النخب تمادت في توظيفها حتى وصل ببعضهم تطبيقها في حالة بول بريمر في العراق، هذه النخب إن أحسنا الظن كانت دائماً تقدم المحافظة على الوضع القائم بما فيه من سلبيات مخافة أن يكون نتيجة أي حراك شعبي سلبية أو «فتنة» حسب تعبيرهم، هذه النخب الدينية المشرعة للطغيان في كثير من الأحيان لعبت وما زالت تلعب دورا هاما من خلال توفير غطاء ديني لأنظمة شمولية قمعية، كما تم استثمارها خلال أحداث الربيع العربي لتثبيط المطالبين بالإصلاحات وتجريمهم وحشد البسطاء ضدهم بدعوى أنهم بمطالباتهم هذه يخرجون على الدين نفسه! بعد إسراف رموز هذه الفئة في تجريم الشعوب وتمجيد الطغاة تداعى تأثيرهم في الشارع كما يتضح من الجرأة عليهم في وسائل التواصل الاجتماعي وتراجع الاهتمام بإصداراتهم ومؤلفاتهم.
النخبة الدينية الإصلاحية والتي وقفت في موقف المعارضة غالبا منذ انطلاق ما اصطلح على تسميته بالصحوة في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي تعرض الكثير من رموزهم للسجن والمحاربة بل والإعدام أحيانا، ما زاد من رصيدهم لدى الشارع المتعطش لكلمة الحق ولمن يعبر عن مطالب الأمة من خلال الشرعية الدينية، ومع إطلالة الربيع العربي وثم الثورات المضادة والحملة المرتدة ضد الربيع وأفكاره حدث تطور لافت هو أن تعامل هذه الفئة مع حال التضييق والملاحقة الأمنية تغير في حالات الكثير منهم من حالة الصدام المباشر إلى تحاشي الواقع. هذه الحالة أدت إلى تراجع الكثير منهم عن دعمه السابق للثورات، بل إن بعض الرموز المؤثرين آثروا التنظير والطرح العام الذي لا يمت للواقع بصلة على الاستمرار في مقارعة الأنظمة، ولعل الإحباطات المتكررة التي عاشتها هذه الفئة خلال العقود الماضية بداية بالنهاية المؤسفة للجهاد الأفغاني وانتهاء بانتكاسة الربيع العربي كانت كفيلة بإضعاف روح المقاومة لدى كثير منهم، ولكن هذا لا يعني عدم وجود قيادات تقدمت بإصرار الواثق نحو المشانق وحافظت على صلابة مواقفها أمام الأنظمة القمعية الجديدة القديمة، وهؤلاء يُستهدفون حاليا بشدة بغية إسكاتهم والتاريخ يعلمنا أن هؤلاء وهؤلاء فقط من ستخلد ذكراهم لدى الأجيال.
هذه النخب الدينية كانت دائماً في حالة صراع مع النخبة الثقافية الليبرالية والعلمانية والتي كان دورها في كثير من الأحيان محصوراً بالتحذير من التطرف الديني والاحتماء بالأنظمة في مواجهة الشعبية الجارفة للإسلاميين، ومع نجاح الثورات -بادئ الأمر- وقعت هذه الفئة في أزمة فهي تعلم أنها إن دعمت الخيار الديمقراطي فهو تلقائيا سيأتي بأعدائهم إلى السلطة، وإن هي وقفت مع الثورات المضادة فهي خسرت مصداقيتها بشكل كامل، هذه الحالة نتج عنها انقسام وزع النخبة المثقفة هذه إلى معسكرين: معسكر ثبت مع أصول الفكر الذي ينتمي إليه مدافعا عن الحقوق والحريات بغض النظر عن نتائج تحققها، وقسم آخر باع كل مبادئه لصالح «حماية» المجتمع من التطرف فتراهم اليوم يحاولون كما يحاول الشرعيون السلطويون تبرير العودة إلى حالة ما قبل الربيع من خلال السلاح القديم وهو التحذير من التطرف واعتبار أن الأنظمة المستبدة العلمانية على علاتها أخف ضررا من الحكومات الإسلامية وإن جاءت عبر صناديق الانتخابات! الصادقون من الليبراليين والعلمانيين يقفون اليوم في خندق واحد مع تيار الإسلام السياسي، وقد استطاع العديد منهم مد الجسور لتشكيل قواعد شعبية تعتمد في الأساس على قواعد الإسلاميين ذاتها.
النخب العربية تعيش الآن مرحلة إعادة تشكيل يبدو أنها ستطول وسيكون المخاض فيها عسيرا، ولكن ما يبدو من تداعي الأحداث هو أننا سنشهد تغير خارطة التحالفات بين النخب، فبعد أن تمكنت الأنظمة القمعية من استثمار حالة الصراع الأيديولوجي بين النخب عقودا الاتجاه الآن يسير إلى انقسام هذه النخب على أساس المطالبات لا الفكر، فسيقف الإسلاميون مع الليبراليين وغيرهم في المطالبات الإصلاحية في مقابل نخب متماهية مع السلطة تضم ذات الأفكار المتخالفة، النخب العربية إذا لم تتجاوب مع واقع الشارع والتغير الاجتماعي الحاصل ستجد نفسها خارج ميدان المنافسة وفي موقع المشاهد، فالشارع العربي لم يعد يتحمل تنظيراً أجوف ولا شعارات فارغة، الآن إن لم تنزل للميدان فأنت صفر على الشمال.
منذ عام 2006 بدأت في مجال التحليل السياسي، من خلال صفحات الجرائد المحلية المختلفة، ومنذ ذلك الحين التزمت بمقال أسبوعي يركز غالباً على التعليق على الأحداث الراهنة، أو مناقشة موضوع سياسي عام، مرت هذه التجربة...
بنجاح أكبر من الذي توقعته استطلاعات الرأي، عبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاستحقاق الانتخابي الرئاسي، ليقطع الطريق على من أراد أن يشكك في استمرار شعبيته في بلاده. وعلى الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة والتلاعب...
مذ عرّفني أحد الأصدقاء على قصيدة تميم البرغوثي عن القدس، دأبت على الاستماع إليها بين الفينة والأخرى، لا شك لجمالها أولاً، ولكن كذلك لأنها تنقلني إلى حالة شعورية مختلفة حول المدينة القديمة، أشعر وكأنني أمشي...
في الإنجليزية، إذا أردت أن تصف أشخاصاً يتقاتلون بطريقة صبيانية، فبإمكانك استخدام مصطلح «أطفال بألعاب»، في إشارة إلى أن أولئك الذين تتحدث عنهم يتصرفون كأطفال يتنازعون ألعاباً لا كأشخاص ناضجين.. العالم اليوم يكثر فيه من...
ستة أشهر كانت كفيلة ببث روح جديدة في الجسد القطري بعثها التحدي الأكبر الذي واجه البلاد في تاريخها، في هذه الأشهر الستة انطلقت قطر نحو المستقبل بخطى ثابتة والتحم الشعبي مع الرسمي لرسم لوحة مشرقة...
آلة السياسة في واشنطن شديدة التعقيد، من حيث التركيب والأنظمة، فنظام التوازن والرقابة الذي يعطي كل سلطة صلاحية رقابية على الأخرى، ويجعل الصلاحيات متوازنة بينها، أورث نظاماً معقداً، ولكنه يعمل بكفاءة عالية، هذا النظام تعرّض...
أثارت كوريا الشمالية الرعب في محيطها الإقليمي والعالم أجمع بتصعيد تجاربها النووية والصاروخية، وحسب الخبراء العسكريين يمكن أن تصبح قريباً «الدولة المارقة»، كما يسميها ترمب، قادرة على تركيب رأس نووي على صاروخ متجه إلى الساحل...
الأنشطة الثقافية للمؤسسات الخيرية هنا في قطر كانت وما زالت أكثر قدرة على جذب الجماهير من مثيلاتها الرسمية، ويعود ذلك لمجموعة من الأسباب، أهمها الطبيعة التطوعية لهذه الأنشطة، وما يحققه ذلك من إبداع ومرونة وحماس،...
حطت طائرة الرئيس الأميركي على أرض فلسطين ليكون أول مؤتمر صحافي له بجوار طائرته مناسبة جديدة يذكر فيها بالتزامه التام بأمن الكيان الصهيوني، بعد أن أمضى الأيام الماضية في التأكيد على رؤيته حيال «الإرهاب الإسلامي»...
الثورة الاقتصادية الصينية التي دفعت بالصين من دولة مقسمة محتلة إلى أحد أقوى اقتصادات العالم استفادت بشكل كبير من المبدأ الذي وضعه باني نهضة الصين الاقتصادية الحديثة شياوبنج وهو رئيس الصين الثاني بعد ماو تسي...
احتفل قطاع كبير من الفرنسيين، ومعهم المعتدلون في أوروبا، والعالم الغربي بخسارة لوبين، وفوز ماكرون خلال الأيام الماضية، متجاوزين تهديداً آخر من اليمين المتطرف الأوروبي، وبذلك تتبدد أحلام اليمين المتطرف في القارة العجوز في أن...
خلال الشهور القليلة الماضية تغيرت الأوضاع في قطبين من أهم الأقطاب السياسية في المنطقة بشكل كامل، خلال الأعوام الماضية بدا أن النظام الإيراني يحكم قبضته على محيطه الداخلي والخارجي، وفي مقابل ذلك بدا أن الإدارة...