


عدد المقالات 189
حدّث سهم بن كنانة قال: دعاني بعض الأدباءْ، إلى مناظرةٍ عن الكهرباءْ، وكنت مُولعاً بالتناقشْ، مُغرماً بالتهارشْ، متطلّعاً إلى المنافسة، متلهّفاً على المشاكسة، فاستجبتُ للدعوة، وأخذتُ الأمر بقوّة، وكنت أول من أتى، لله درّي من فتى، وخرج المتناظران على المسرحْ، فتذكرتُ سورة "ألم نشرحْ"، وطفقتُ أرتّلها بخشوعْ، والشوقُ جمرٌ بين الضلوعْ، ثم ظهر رجل ليقدّم المناظرة، وكنت أعرفه من عهود غابرة، وكان قابضاً على لحيته، وأثرُ السجود بادٍ على جبهته، ولم يكن إلا أبا نصر العزازْ، ذلك الرجل الذي خاض المُحال فجازْ، وما راعني إلا وهو يخلع كنزتَه، ويرمي بزّتَه، ثم يُرغي ويُزبد، ويُبرق ويُرعد، مزمجراً بصوت أجشْ، كأنه الأصمعيّ أو الأخفشْ، إنها مناظرةٌ عن الكهرباءْ، والكلمةُ أصدق إنباءْ، للغالب فيها نيل الطلبْ، وللخاسر سوءُ المنقلبْ، فليخترْ كلُّ متناظر مآبهْ، وليعدَّ لكلّ سؤال جوابهْ، وما ثمّ إلا العدلُ منهاجا، فلنتخذْه لنا سراجا، وقد تركتُ الأمر لكمْ، فأنتم اللجنة التي تحكمْ. قال سهم بن كنانة: فتقدم الأول فقال: لقد قطعوا الكهرباء عن الحي، فلم يعد والله بالحي، بل اندثرت حضارتُه، وانطفأت غضارتُه، وخفَتَ صوتُه، وحصل موتُه، واختنقت فيه الشبكة، كما اختنقت في الجوّ السمكة، ولا تسل عن غرق "الجزيرة"، والعودة إلى "الموجات القصيرة"، كل شيء صار يوحي بالفناءْ، واضمحلال السناءْ، وغروب الفرصة، ونشوب الغصّة، آه من انتظارٍ لا أعلم أمده، واحتقار لا أطيق كمده، وحاسوبٍ لفظ أنفاسَه، ومحمولٍ أعلن إفلاسَه، وبعوضٍ استغلّ الظلمة، فأنزل في عروقي سُمَّه، وثلاجةٍ من دون تبريدْ، وجرسٍ نسيَ التغريدْ، وفرنٍ أغمض بصرَه، وشمعٍ أزهق عُمُرَه، بل قد ضعف تيّارُ الماءْ، فأصبحتُ مثل قطٍّ ماءْ، وعثرتْ رجلي في الغرفة، وضللتُ طريقي إلى الشّرفة، فأخذتُ ألوب في القاعة، كما تلوبُ عقاربُ الساعة، وأنتقل من السّور إلى الدورْ، ومن الدّور إلى السورْ، ألتمسُ خيطاً من ضوءْ، مستعيذاً بالله من السَّوْءْ، ولما سألتُهم عن سبب الانقطاعْ، لم يتلطفوا عليَّ باستماعْ، وردّوا بتوكيد وامتناعْ، كأنني من سقط المتاعْ، فلما سألُتهم عن موعد الإصلاحْ، قالوا: ما على الصابر من جُناحْ، ولعلها تُفرَج في الصباحْ، فتذكرت شهريار والمِلاحْ، والمباح وغيرَ المباحْ، وما في النوم من سكينة، وما في الذكر من طمأنينة، وجالت في نفسي خواطرُ شتّى، وطفقتُ أردّد كلمة ابن متّى، لا إله إلا أنتْ، سبحانك إني ظلمتْ، فوجدتُ فيها ملاذي، وتلوتُها رجاءَ إنقاذي، ثم التمستُ أريكةً أستلقي عليها، وأبوحُ بما في نفسي إليها، وإذا أنا أتمتمُ بحسرة، وأعيد القول مرةً إثر مرة، ألا أيها الليلُ الطويلُ ألا انجلِ، بصبحٍ وما الإصباحُ منك بأمثلِ، لكنّ بيت الملك الضِّلِّيل لم يشفِ صدري، فقلت هذه الأبيات من شعري: سلوا نورَ العوالم كيف غابا وخلَّفَ روضيَ الزاهي يبابا أهال على ثراه البؤسَ حتى?غدا من وحشةِ الآهاتِ غابا فعاد صفاؤُه كدَراً وأمستْأغاريدُ الحياةِ به انتحابا مشيتُ خلال ظلمتِه رويـداً وقلبي واجفٌ يخشى العذابا?وأوقدتُ الشموع لعلّ ضوءاً يُعيد إلى كهولتِه الشبابا وفتَّحتُ الكُوى فانساب صمتٌ ثقيلٌ زاد في قلبي المصابا ودمدمتِ الرياحُ فكلُّ شيءٍبهذا الكون يُفقِدني الصوابا وحيداً خابطاً من غير هـدْيٍ وحسبُك بالدياجير اغترابا فقمتُ أبثُّ للرحمن شوقـاً ?إلى الإصباحِ مؤتلقاً عُجابا إلى سرِّ الحضارة يزدهيني ?ويلهمُني الهداية والصوابا ومن رضيَ الحياة بغير نورٍ تعثَّر في مناكبها وخابا?قال سهم بن كنانة: ولما فرغ نصيرُ الكهرباء من مرافعتِه، وأفرغ من أجلها سهامَ كنانتِه، قام الآخر فحمد الله، ثم قال: ما عليك لو تركتَ الملامْ، وأوقدتَ شمعة بدل أن تلعن الظلامْ، واحتسبتَ انقطاعَ الكهرباءْ، فما الدنيا كلّها إلا هباءْ، وربما كان انقطاعُها تذكيراً بتغيّر الحالْ، وتقلب الدنيا بين مُحاق وهلالْ، أو ربما أرادت أن تُعرِّفك بفضلِها، وما تُسدي إلى الحضارة وأهلِها، فتقرَّ لها برفعةِ القدرْ، وتُنْزلها منزلةَ الصدرْ، وفي الليلة الظلماءِ يُفتقد البدرْ، أوَ راعك أن افتقدتَها ساعةً وعشرا، فكيف لو أظلمت الدنيا شهرا، وأصاب الشللُ الأجهزة، ولم تعد مُكتنزة، وتعطّل الاتصالُ من كلّ لونْ، وتوارت العولمةُ عن الكونْ، واختفى موقعُ يوتيوبْ، كما اختفت الشمسُ في الغروبْ، وعاد غوغل خبرا، وكان من قبل قمرا، وأبصرتَ العرب تشتري الفوانيسْ، وتحنّ إلى زمان العِيسْ، وولولت النساءُ من الكنْسْ، وافتقدن ليلاتِ الأنسْ، واختنق صوتُ المحمولْ، ولم يعُدْ بين العشّاق رسولْ، وقتَها ستعلم أنّ التذمّرَ مرفوضْ، وتصطلح مع سرب البعوضْ، وستُؤتى ذكاءَ ابن فرناسْ، وربما فطنةَ ابن عبّاسْ، وستعرفُ الأوقات ببراعة، من دون أن تنظرَ في الساعة، بل ستقرأ على ضوء القمرْ، شعراً يطيب به السّمرْ، فدعك من السّور والدورْ، والليلِ إذ يمضي وأنت محسورْ، وبعوضٍ يحومُ فوق رأسِك، فلا تعرفُ يومَك من أمسِك، وأنت خابطٌ من غير هدى، مضيّعٌ أوقاتك سُدى، لا ترى في الظلمةِ شيئاً قطْ، غيرَ لمع عيون القططْ، تأمّلْ روعة السماءْ، في ليلةٍ من ليالي الشتاءْ، واستمتعْ برؤية النجومْ، وجرّب من الشّعر المقسومْ، ثم قرّب إليك الرّطبْ، وأشعل ما في الموقد من حطبْ، واجعل الدلّة بين فكيْه، فإنّما المرءُ بأصغريْه، وانظرْ بطرْفِك إليها، وقل: يا نارُ كوني برداً عليها، ثم اسكبْ رحيقَها في الفنجانْ، تنحسرْ بإذن الله الأشجانْ، وارفعْه بلطفٍ إلى شفتيْكْ، وأنت تمتمُ: لبّيكْ، ولا تنسَ أن تشمَّ الهَيلْ، وأنت تدندنُ: يا ليلْ، واحفظ الماءَ في الجرّة، وأودع المالَ في الصرّة، وأصغ إلى صوتِ الأذانْ، فقد اختلف الوضعُ الآنْ، لم يعد ثمّة مكبّرُ صوتْ، والصلاةُ يُخشى عليها من الفوتْ، ولعلّ ضارّةً تنفعْ، ونازلةً تَرفعْ، فإنّك ستوفّرُ شيئاً من دخلِكْ، لتنفقَه على حاجةِ أهلِكْ، أو تمهرَ به زوجةَ مسيارْ، فاحتفلْ بانقطاع التيّارْ، واسترجع الأيامَ الخوالي، وتذكّر السّبيَ والموالي، وروّح عن نفسِك بكتب الجاحظْ، وقلّب بين أسطرها المَلاحظْ، ولا بأس أن تكتبَ قصيدة عبّاسية، أو مُوشّحة أندلسيّة، أو رسالة زيدونية، أو مقدّمة خلدونيّة، أو مقامة بديعيّة، أو دُعابة مصريّة، فإنّ ذلك قَمِنٌ أن يهبَك السعادة، ويُنسيك الكهرباءَ وزيادة، وقديماً قيل: لا نجاحَ إلا بهمّة، ولا صباحَ إلا بظلمة. ثمّ أنشد: تقلّب في مناكبِها اضطرابا وذُقْ من كأسِها شَهداً وصابا ولا تصبرْ على غصص الليالي فقد أهدرتَ ذا العمر احتسابا ولا تصنعْ من الآهاتِ صبحاً فإنّ الفألَ يخترمُ الشبابا وإنّ النّوحَ في الظلماتِ سيفٌ?يُذلّلُ حدُّه الماضي الصعابا وإنّ اليأسَ غايةُ كلّ حيٍّ ?يرومُ الفتحَ أو يرجو الغلابا أخا الأنوار صرتَ أخا قعودٍينازعُك الأمانيَّ الرّغابا كليلاً لا ترى الأقمارَ تزهوولا ومضَ النجومِ ولا السّحابا ولا جمرَ المواقدِ مشرئبّاً وقد لذَّ الرحيقُ به وطابا وحول ضفافِه الأصحابُ غنّوا وهم طرِبُون أشعاراً عِذابا ألفتَ نضارةَ الأيامِ إلفاً كسيفٍ باردٍ ألِفَ القِرابا?ولم ترَ غير ومضِ الزيف ومضاً?كمن عشق الينابيعَ السّرابا?فطبْ نفساً بعيشٍ من خداعٍ?وباسطْ في موائدِه الكِذَابا?قال سهم بن كنانة: ولما فرغ نصيرُ الظلمة من دفاعِهْ، بدا لي أن النّاسَ مستبشرون بسماعِهْ، لكنّهم لم يُبرموا أمرا، ولم ينسبوا لأيٍّ من الفريقين نصرا، وقال قائلُهم: ليحكمْ بها العزّازْ، فهو العارفُ بأسرار الإعجازْ، لكنّ العزّازً توارى عن النّظرْ، ولم يعثرْ له أحدٌ على أثرْ.*أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود @LoveLiberty
نحن الموقّعين أدناه نعتذر إلى الإنسانيّة عن تاريخنا؛ عن ثقافتنا المفخّخة بالعنف؛ عن سيرة أجدادنا الملّطخة بالدماء. نعتذر عن ما كانوا يسمّونه «الفتوح الإسلامية»، وما كانت سوى عمليات غزو واسترقاق، وإجبار للسكان الأصليين على دفع...
في البدء كانوا مجاهدين، ثم صاروا فدائيين، ثم مقاومين، وتدريجاً أصبحوا مسلّحين، فكان طبيعياً أن يصبحوا في نهاية اليوم، «إرهابيين»، ثم يُسدل الستار على الفاجعة، ولمّا تنته. يصبح الإسرائيلي ضحية، وتصبح أفعاله دفاعاً عن النفس...
اليمن تاريخياً بلد واحد غير مقسّم، والتقسيم إضعاف لهذا البلد، وتشتيت لشعبه، وفتح أبوابه لتدخّلات عسكرية وقواعد أجنبية واضطرابات وحروب قد تكون أسوأ من وضعه إبّان الانفصال القديم في الستينيات والسبعينيات. وبينما يتّجه العالم إلى...
حدّث سهم بن كنانة، قال: كان في القرن الخامس عشر بجزيرة العرب، رجل يزعم أنّه واحد دهره في الأدب، وأنّه أدرك من أسرار البيان، ما لم يدركه إنسٌ ولا جان، وقد اشتُهر بابن الغلامي، أو...
علّمونا ونحن صغار أنّ «الصمت من ذهب»، وكان جدّي لأمّي يكرّر لي البيت: يموت الفتى من عثرةٍ من لسانِهِ/وليس يموت المرءُ من عثرة الرّجْلِ، وقديماً قال جدّنا أكثم بن صيفي: «الصمت حُكمٌ وقليلٌ فاعله». كبرنا،...
قبل الاستفتاء على التعديلات الدستورية في تركيا، وأثناءه وبعده، لم تتوقف جريدة الحياة اللندنية عن الهجوم على الحكومة التركية. كانت هذه الصحيفة معروفة إلى عهد قريب بحرصها على عدم إبراز أيديولوجيتها، وباستقطابها كتّاب رأي ليسوا...
كان يا ما كان، في آخر الزّمان، أنّ رجلاً كان مريضاً فتعافى، فغضبت عجوزٌ كانت ذات يوم سبباً في إمراضه حتى مزّقته إرباً إرباً، وطفقت تولول وتشقّ جيبها، وتدعو بالثبور، وعظائم الأمور، فلم تكن تتوقّع...
حدّث سهم بن كنانة، قال: في أواخر القرن الرابع عشر، قبل أن تُولد الفضائيات وتنتشر، ظهرت في جريدة اسمها «اليوم»، قصيدة أثارت كثيراً من اللوم، وكانت متحرّرة القوافي، واسم كاتبها حميد غريافي، وقد جاء في...
تسعى الخطابة السياسية عادةً إلى توحيد المواقف، وردم الفجوات، والتركيز على القواسم المشتركة. هذا هو لبّ الخطابة وفلسفتها عبر التاريخ: الدعوة إلى «التعاون»، وإحياء الروح الجماعيّة، وتغليب المصلحة العامة على الخلافات البينيّة. لكنّ ذلك لا...
كنّا نعرف أنّ «تحرير» الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، من قبضة تنظيم داعش سيكون دامياً، وكنّا نترقّب فقط مشاهد القتل الجماعي لأهل تلك المدينة بحجة تحريرهم من الإرهاب. لكن لم نكن نتوقع أنّ المجازرستثير في...
حدّث سهم بن كنانة، قال: اعتراني ذات يوم السأم، وشعرت بأنواع الألم، وجفا عينيّ الكرى، وعادت صحّتي القهقرى، فراودتني الرغبة في الخروج، والاستئناس بين المروج، ودُللتُ على قرية تُسمّى «سراج»، شعارها «لدينا كلّ ما تحتاج»،...
كان الرئيس التركي، أردوغان، محقّا في اتهامه عدداً من دول الاتحاد الأوروبي بالارتهان للفاشية والنازيّة إثر إلغاء ألمانيا عدداً من التجمّعات الانتخابيّة التي كان من المقرّر أن يحضرها وزراء أتراك في مدن ألمانيّة، ومنع هولندا...