الخميس 12 ربيع الأول / 29 أكتوبر 2020
 / 
05:11 ص بتوقيت الدوحة

دور الأب في حياة ابنه

د. مأمون مبيّض
من مخاطر غياب الأب من حياة ابنه:

اتصل بي منذ أكثر من خمس سنوات أحد مرضاي وهو في 25 من العمر ليخبرني بوفاة أبيه، فأردت أن أقول له "صبّركَ اللهُ على فقد والدك" إلا أني لم أستطع أن أقول له إلا "رحمه الله". لم أستطع أن أقول له "صبّرك الله" لأني أعلم أن لديه مشاعر متعاكسة مختلطة تجاه والده، فيها السلبي وفيها الإيجابي. 

كان عند هذا الشاب ميول جنسية تجاه الذكور الآخرين، وما نسميه الجنوسية المثلية، وإن كان يقاوم هذا الميل ويمنع نفسه من أي ممارسة، وخاصة بعد جلسات العلاج، ومن المعروف أن من أسباب هذا التوجه المثلي هو غياب دور والده من حياة هذا الشاب في طفولته! صحيح أن الأب كان يعيش في نفس البيت، يأكل ويشرب وينام في ذات المنزل، إلا أنه غائب من التعامل مع حياة ولده، بالإضافة إلى أنه كان يسيء معاملة ولده بالضرب المُبرح والشتم...

من المعروف ومن خلال البحوث أن من الأسباب الرئيسية للجنوسية المثلية عند الشاب هو عدم التماهي مع والده وشخصية أبيه، فمن أجل النمو الطبيعي كل ابن في حاجة ماسة للتماهي مع أبيه، وتقليد هذا الأب، كما تحتاج البنت للتماهي مع أمها، أو من ينوب عنهما، فالصبي للرجل، والبنت للمرأة. والثقة بالنفس عند الابن، ومدى تقديره لذاته، وطموحاته في الحياة... كلها يلعب الأب دورا كبيرا في إيجادها عن ابنه، طفل فغلام فمراهق، فشاب ومن ثم رجل.

فتربية أولادنا، صبيانا وبناتا، ليست من مهمة الأمهات فقط، فهذه الفكرة خطأ وخطيرة، وكلا الابن والبنت، يحتاج لأبيه كما يحتاج لأمه، ولا يعلم الأب حجم الخطأ الذي يرتكبه عندما لا يكون على قرب من ابنه. 

ولكن علينا الحذر الشديد هنا، فليس كل ابن غاب والده من التأثير في حياته سيجعل عنده بالضرورة ميولا مثلية، فقد يغيب الأب إلا أن الله تعالى ييسّر بديلا ذكوريا عنه، وحتى إن لم يتيسّر هذا البديل فهناك عوامل أخرى متعددة.   

تطور علاقة الابن بالأب:

ومن المعروف أن علاقة الابن بأبيه تمرّ بالعديد من المراحل ومنها المراحل الخمس التالية:
1. التقديس والحب الأعمى: عندما يتعلق الابن في مرحلة الطفولة بأبيه، معتقدا بأنه ذلك الرجل الذي لا يُقهر، وبأنه أقوى رجل في العالم، حيث يكون الطفل متعلقا في عالم الأشخاص، ومن يكون إن لم يكن والده؟!

2. التنافر والنزاع: وهي علاقة يمر بها الابن في مرحلة المراهقة عندما تصبح أمنيته ألا يكون كأبيه! فمن المعتاد أن يمتلك المراهق هنا مشاعر متعارضة بين الحب والكره.

3. التطور والتحسّن: حيث تصبح علاقة الابن الراشد بأبيه علاقة مقارنات بين الميّزات والإيجابيات والسلبيات، وقد ينشأ بينهما بعض التنافس الإيجابي.    

4. التقبل والصداقة: وذلك عندما يصبح الابن في الثلاثينات من عمره، ويبدأ هذا الابن الرجل في نسيان السلبيات والخلافات التي كانت بينه وبين أبيه، وتنشأ بينهما في الغالب علاقة صداقة.

5. التعايش والذكريات: حيث يشعر الابن في الأربعينات بأنه امتداد لحياة أبيه، وأنه من نتائج حياة هذا الأب، وبغض النظر فيما إذا كان قد عرفه عن قرب أم لا.
  
الأب والابن في القرآن: 

ويتحدث لنا القرآن الكريم عن مواقف متعددة تصف علاقة الأب بابنه، مشيرا لأهم الجوانب التي ننصح بها في هذه العلاقة، ومنها مثلا:

"وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه، لا بنيّ لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم" (لقمان:13)
حيث تشير هذه الآية الكريمة لجانب هام وحساس في علاقة الأب بابنه، وهو الحوار والكلام بينهما، ومساهمة الأب في نصح ابنه وتوجيهه في هذه الحياة.

وآية أخرى تلمس جانبا آخر من هذه العلاقة، حيث يقول الله تعالى عن علاقة ابراهيم عليه السلام بابنه اسماعيل:"فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين. (الصافات:102)  

وكثير من الآباء يحلمون بأن يصبح أولادهم مثل اسماعيل، يستجيبون لأبيهم بكل ما يأمرهم به، ويتوقعون منهم كامل الطاعة، إلا أنهم وهم يقرأون هذه الآية لا يلاحظون كلمة هامة في هذه الآية عندما يقول تعالى عن أن اسماعيل قد وصل مرحلة البلوغ وهو في رفقة أبيه، وأنهما عاشا معا، وذلك في قوله تعالى أنه "بلغ معه السعي"، فإذا أردت لولدك أن يكون كإسماعيل في طاعته، فقدم له مثل ما قدم ابراهيم لولده من المعايشة وقضاء الوقت معا.

وهناك مواقف أخرى في علاقة يعقوب بابنه يوسف عليهما السلام، عندما نجد بينهما طبيعة الحوار، وحتى في الأمور الخاصة كالأحلام والرؤى، وتفسير يعقوب لرؤية يوسف، وتوجيهه في هذه الحياة.
"إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا، والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين" (يوسف:4)
"قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك ..." (يوسف:5)

أيها الأب عش مع ابنك، وأيها الابن تعرّف على أبيك:

ويمكن لنا أن نتوجه بالحديث للآباء في ضرورة الاقتراب من أبنائهم، ووضع لمساتهم في حياة أبنائهم، وقضاء الوقت معهم، والاهتمام بهم.

ويمكننا أيضا توجيه كلامنا لشريحة الشباب من الأبناء في ضرورة الاقتراب من أبيهم، والتعرف عليهم. ومما يمكن أن يعين الشاب على الاقتراب والتواصل مع أبيه:

• اسأل والدك بعض الأسئلة التي تزيدك معرفة بأبيك، فمثلا اسأله عن الأمور التي يهتم بها من هوايات وغيرها، واسأله مثلا كيف تزوج بأمك...

• تحدث معه عن المواضيع التي تعتقد أنه خبير بها، فيما له علاقة بمهنته وخبراته، واسأله كيف طوّر هذه الخبرة، وكيف بدأ حياته المهنية، وتعلم منه بعض المهارات...

• أثر عنده ذكرياته عن شبابه وتاريخ حياته، ويمكنك أن تستعين هنا ببعض الصور العائلة والمواقف التي عاشتها الأسرة في الماضي...

• تعرف على جذور العائلة وشجرتها، واسمح لأبيك أن يملئ بعض الفراغات في رسم هذه الشجرة، وكيف هي علاقته مع من هم في هذه الشجرة، وهذا يدخل في باب التواصل بين الأجيال.

• تواصل مع من يعرف والدك عن قرب من أقرباء وأصدقاء، واستمع منهم عن أبيك، كأمك وأعمامك وعماتك وغيرهم...

حفظ الله أسرنا من كل سوء، ومتعها بالصحة والسلامة البدنية والنفسية.
****