


عدد المقالات 101
يخرج علينا في الآونة الأخيرة بشكل متزايد بعض المثقفين العرب وهم ينعون ما يسمونه الفقر الفلسفي والفكري للثورة السورية، ويأخذون عليها افتقادها لـ «التنظير». ونحن إذ نحترم حق هؤلاء في التعبير عن رأيهم، فإننا نستميحهم العذر في طرح ملاحظات يقتضيها المقام. فالثورة السورية تحتاج حقا إلى مزيد من الجهد الثقافي الذي يمكن أن يخدمها في أكثر من مجال. لكن مفرق الطريق يكمن في منطلقات الجهد المذكور وأهدافه ودرجة الموضوعية فيه. وإذ يخدم مثل هذا الجهد حين يكون موضوعيا ومنهجيا، ثقافة العرب وواقعهم قبل خدمة الثورة، فإنه يصبح كلمة حق يراد بها باطل في غياب تلك الشروط. في مقال نشر قبل أيام، يستخدم الكاتب عبدالأمير الركابي نقده لبعض أفكار الزميل ياسين الحاج صالح ليختزل ثورة الشعب السوري في بضع فقرات بحيث يفهم في نهاية المطاف أنها مجرد فعل بشري عبثي يستعصي على الفهم والتفسير. لسنا هنا في مقام الدفاع عن أفكار الزميل ياسين وتوضيح إشكاليات النقد الذي وجه إليه، فهو أقدر على ذلك إن شاء، وإنما نريد استخدام المقال المذكور مثالا على محاولة هروب الثقافة العربية من مأزقها الذاتي، والتغطية على تقصيرها تاريخيا في القيام بدورها، حتى لو جاء هذا في ظل اعتراف عابر بـ «عجزنا النظري» كما يورد الركابي عرضا في جملة من المقال. «ما الثورة السورية؟ هل يملك هو (أي الحاج صالح) أن يقول لنا عيانا ما هذا الحدث، ما أبعاده الفعلية، كما يمكن لباحث مميز مثله أن يستنتج من تحري معطياته، وعناصره، وتغيراته وما يحيط به، وما يتداخل معه؟» يسأل الركابي الأسئلة المذكورة مؤكدا أنه لا يجد إجاباتها عند الحاج صالح أو غيره من الكتاب حين يتابع قائلا: «أنا شخصيا لا أعرف، أو أنني جاهد في متابعة ما يصدر عن الكتاب السوريين... بيد أنني، ويا للأسف، لم أفهم حتى الآن (ما الثورة السورية) بالملموس لا بالإنشاء والرغبات والتهويم والانسياق وراء المجريات اليومية». فشلت الثقافة العربية و «منظّروها» في قيادة الواقع العربي أو المساهمة في صناعته خلال العقود الماضية. تحالف بعضهم مع النخب الحاكمة، وآثر آخرون السلامة فزهدوا في التفاعل مع قضايا الشعوب وتبنيها واكتفوا بالبحث عن لقمة العيش. أسوأ من هذا وذاك، كانت الغالبية العظمى من مثقفي العرب ومنظريهم تعيش خصاما تاريخيا مع عناصر الثقافة والهوية التاريخية للمنطقة وأهلها، وكانت منغمسة في قطيعة معرفية كاملة مع تلك الثقافة بكل مكوناتها. فلم تتمكن من تقديم رؤية ثقافية تتصالح مع الماضي، وتستوعب الحاضر، وترسم ملامح المستقبل. وضع الإنسان العربي في الزاوية، وتمزقت ثقافته بين خطاب يدعي وصلا مشوها بالحداثة يقدمه أغلب المثقفين، وآخر يصادر مفهوم الأصالة تقدمه التيارات الدينية التقليدية. لكن التاريخ لم يكن ينتظر أحدا. تراكمت المشكلات الناتجة عن سوء الإدارة السياسية من فضاء التنمية إلى فضاء الحرية، وتراكمت معها مشاعر القهر والغضب. انفجرت ثورة المعلومات والاتصالات، فخرجت الأجيال الجديدة من قمقم الرتابة والاستنقاع والتكرار. وفي نهاية المطاف، شكلت العناصر السابقة مجتمعة ظرفا تاريخيا لم يكن غريبا أن تولد من رحمه الثورة. لم يكن الربيع العربي ينتظر السادة المثقفين والمنظرين لكي ينطلق. وإنما انطلق بالشكل الذي رأيناه لأن السادة المذكورين كانوا غائبين عن الساحة ابتداء. ورغم وجود ثلة حاولت القيام بالدور الحقيقي المنوط بالمثقف في سوريا كما في غيرها، كان هؤلاء بمثابة الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. نعم، ثمة جهد مطلوب في مجال التنظير للثورة السورية، لكن اعتبارها حدثا عبثيا خاويا من المعاني بهذه الطريقة يعتبر استخفافا بالمنطق وقفزا على أي منهج علمي في قراءة الظواهر البشرية. تعيش الثورة السورية جملة من التحديات نعتبرها جزءا من عملية المخاض لولادة سوريا الجديدة. قد لا يرتقي هذا التفسير إلى مقامات علم كاتبنا الكريم، لكن وجود هذه التحديات لا يلغي المعاني الكبرى التي قدمتها الثورة على مدى شهور. نستغرب ونحن نفكر.. ألا يعني شيئا في علوم الاجتماع البشري أن يخرج الشعب السوري باحثا عن حريته من تحت ركام عقود المعاناة والصبر والتهميش والاحتقار؟ ألا يمكن أن نتعلم شيئا يتعلق بقيمة الشعوب ودورها وقدرتها على صناعة مصيرها حين نرى حجم الطاقة الكامنة في الشعب السوري على الصبر والإبداع والعزيمة والإصرار وحين يحصل هذا على شكل انقلاب على قيم ومبادئ عمل النظام لتكريسها بكل جهده لعقود؟ هل يكون إيمان الشعب السوري المتجدد بأنه يستطيع أن يفعل ويؤثر ويغير فعلا عبثيا ولا شيء غير ذلك؟ ألا يكمن هذا في خانة (الملموس)؟ أم أنه بأسره نوع من (الإنشاء والرغبات والتهويم)؟! نعم، تحتاج الثورة السورية لمزيد من التنظير، لكن اختزالها من دلالاتها الحضارية الكبرى إلى ظاهرة عبثية خاوية المعنى والمضمون يعتبر بالتأكيد ظلما لها ولعملية التنظير على حد سواء.
بعد بضعة أيام من نشر هـذا المقال، يعقد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية اجتماعاً سيكون من أكثر الاجتماعات حساسية في تاريخه وتاريخ الثورة السورية، إن لم يكن أهمها على الإطلاق. وتنبع خطورة الاجتماع بالدرجة...
{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعلُ فيها من يُفسدُ فيها ويسفكُ الدماء ونحنُ نُسبّحُ بحمدك ونُقدّس لك قال إني أعلمُ ما لا تعلمون}. بغضّ النظر عن الحشو الذي يملأ بتفاصيله...
لم يعد ثمة مجالٌ على الإطلاق، وبأي حسبةٍ من الحسابات، أن يسمح عربُ المشرق، ومعهم تركيا، لهذا الطوفان الإيراني أن يجتاح المنطقة بهذا الشكل الصارخ، ليس فقط في قباحته وابتذاله، بل وفي دلالات الموقف الدولي...
منذ بضعة أيام، صدرت عن الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مواقفُ نعتقد أنها غير مسبوقة، وأن دلالاتها السياسية والدينية والثقافية تحتاج إلى كثيرٍ من التأمل. خاصةً عندما نفكر بأسبابها من جهة، ومآلاتها...
قلائلُ هم الرؤساء الأميركان الذين يعرفون لماذا وصلوا فعلاً إلى البيت الأبيض, وماذا سيفعلون فيه على وجه التحديد. هذه حقيقةٌ معروفةٌ في أميركا، رغم أن عدد ساسة هذا البلد الذين يحلمون بالوصول إلى أهم موقعٍ...
ما من شكٍ أن ثوار سوريا على الأرض كانوا ولا يزالون وسيبقون أصحاب القرار الحقيقي، لا نقول فيما يتعلق بمصير الثورة السورية، وإنما في تحقيق نصرها المؤزر في نهاية المطاف. لكن هذا لا يتناقض مع...
من الممكن جداً أن يكون تشكيل الحكومة السورية المؤقتة نقلةً هامة على طريق تحقيق أهداف الثورة السورية. ثمة مؤشرات عديدة على أن هذا الأمر في وارد الحصول، رغم الشكوك التي يطرحها البعض هنا وهناك. يبدأ...
منذ أكثر من خمسة شهور، وفي لحظة تأسيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، كان أعضاؤه يعرفون، ومعهم العالم أجمع، أن الائتلاف هو المؤسسة الأم التي ستتولد عنها ثلاث مؤسسات أخرى أحدُها الحكومة المؤقتة. لم...
كثيرةٌ هي التحديات التي تواجه الثورة السورية، لكن تحدي الحفاظ على (الاستقلالية) بحساباتها وموازناتها الشاملة قد يكون أكثرهاً خطورةً وأهمية. وإذا أخذنا بعين الاعتبار الموقع الاستراتيجي لسوريا فإن التعامل مع هذا التحدي كان وسيبقى مهمةً...
كلما قلتُ متى موعدُنا ضحكت هندٌ وقالت بعد غد. قد يعبّر هذا البيت من الشعر العربي عن حال الثورة السورية مع معارضتها السياسية. فرغم المحاولات المختلفة للقيام بالدور المطلوب من قِبلها، لا تبدو هذه المعارضة...
يمكن وصف الثورة السورية بألف طريقة وطريقة، فهي تحمل في طياتها بحراً من المعاني سيأتي قريباً اليومُ الذي تظهر دلالاتهُ الحقيقية للناس. لكن وصف (الهجرة) قد يبدو في هذه المرحلة مُعبّراً عن واقع السوريين أكثر...
في عددها مطلع الأسبوع الماضي، نشرت مجلة الإيكونوميست البريطانية مقالاً بعنوان «سوريا، موت وطن». وعلى غلاف العدد، وضعت المجلة رسماً من ثلاثة أسطر يُعبّر عن دمار سوريا بشكلٍ تدريجي وصولاً نحو الخراب الكامل. بعدها بأيام،...