alsharq

خورخي كاستانييدا

عدد المقالات 2

هل أميركا مستعدة لدولة الرفاهة؟ (1-2)

23 مايو 2019 , 03:50ص

بصفتي أجنبياً يعكف حالياً على تأليف كتاب عن الأميركيين، تشجعني بعض الإشارات التي أراها مع اكتساب الحملة الانتخابية الرئاسية لعام 2020 مزيداً من السخونة. على وجه الخصوص، في حين يجري الآن على قدم وساق سباق الترشح عن الحزب الديمقراطي، يدعو العديد من المرشحين إلى انتهاج سياسات جريئة تعالج بعض التحديات الأكثر أهمية التي تواجهها الولايات المتحدة منذ عقود من الزمن. تقضي مقترحات هؤلاء المرشحين الأكثر بروزاً بخلق عناصر دولة الرفاهة الأميركية الحديثة في مجالات مثل: الرعاية الصحية، ورعاية الأطفال، والتعليم. ويتبقى لنا أن نرى ما إذا كانت هذه المقترحات لتتمكن من النجاة من سخونة الحملة الانتخابية الرئاسية. ولكن سواء فاز ديمقراطي أم خسر في عام 2020، فقد عادت الديمقراطية الاجتماعية للظهور في السياسة الأميركية للمرة الأولى منذ ثلاثينيات القرن العشرين. الحق أن هذا التطور ربما يكون شديد الأهمية. فعلى مدار قسم كبير من تاريخها، وبالتأكيد منذ سافر أليكسيس دي توكفيل عبر الجمهورية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، كانت الولايات المتحدة دولة للطبقة المتوسطة. أو ربما على نحو أكثر دقة، كانت تنكر حقوق أغلبية السكان -بمن في ذلك العبيد الأميركيون من أصل إفريقي والأميركيون الأصليون، فضلاً عن النساء من ذوات البشرة البيضاء- في حين كانت توفّر قدراً غير مسبوق من المساواة لباقي مواطنيها. تضخمت الطبقة المتوسطة في أميركا وازدهرت على نحو مستمر بشكل أو آخر على مدار فترة القرن ونصف القرن التالية؛ الأمر الذي عمل فعلياً على منع نشوء ذلك النوع من دولة الرفاهة الاجتماعية التي بدأت دول غنية أخرى تؤسس لها منذ أواخر القرن التاسع عشر فصاعداً. صحيح أن الولايات المتحدة قدّمت نظام المعاش الفيدرالي للشيخوخة (الضمان الاجتماعي) في ثلاثينيات القرن العشرين، وأنشأت بتمويل حكومي برنامجي «ميديكر» (للمسنين) و»ميديكيد» (للفقراء) للتأمين الصحي في ستينيات القرن العشرين. ولكن طالما كان الأميركيون من الطبقة المتوسطة يتمتعون بالتشغيل الكامل للعمالة، وأجور مرتفعة نسبياً، ظلت الأفكار الأكثر جرأة -مثل الرعاية الصحية الشاملة المموّلة حكومياً والتأمين المناسب ضد البطالة- خارج الأجندة السياسية الرئيسية. كان هذا صحيحاً بشكل خاص خلال فترة العقود الثلاثة من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى أواخر السبعينيات. لكن حظوظ الأميركيين الاقتصادية بدأت تضمحلّ بعد ذلك؛ لأسباب متنوعة، بما في ذلك سياسات الرئيس رونالد ريجان الاقتصادية، والعولمة، وخسارة القدرة التنافسية الأميركية، حيث بدأت فجوة التفاوت تتسع، وأصاب الركود الأجور والدخول الحقيقية (المعدلة تبعاً للتضخم)، وبدأت الطبقة المتوسطة تتقلص. لا تزال هذه الاتجاهات السلبية قائمة حتى اليوم، وهي تفسّر جزئياً فوز دونالد ترمب في الانتخابات الرئاسية في عام 2016. علاوة على ذلك، أصبحت الحجة لصالح دولة الرفاهة البسيطة في الولايات المتحدة متزايدة الوضوح بفعل الصعوبات الاقتصادية الشديدة. ولكن الآن فقط، بدأ الساسة الأميركيون المنتمون إلى التيار الرئيسي يناصرون هذا التوجه صراحة وعلناً. بدرجات متفاوتة، تبنّى المتنافسون الرئيسيون على الترشح عن الحزب الديمقراطي في عام 2020 العديد من مبادئ دولة الرفاهة الحديثة، حتى إن ترمب وحزبه الجمهوري هاجموهم؛ لأنهم يريدون جلب الاشتراكية إلى أميركا، واتهموا الديمقراطيين بأنهم يريدون تحويل الولايات المتحدة إلى فنزويلا.

هل أميركا مستعدة لدولة الرفاهة؟ (2-2)

الواقع أن العديد من المرشحين الديمقراطيين دعوا إلى توسع كبير للرعاية الصحية الممولة من قِبل الحكومة. لكن مقترحاتهم ــ نظام الدافع المنفرد (الرعاية الطبية للجميع)، أو الخدمات الصحية الوطنية، أو أي شيء آخر ــ لا...