الانقلاب في مصر: السيناريو التركي أو الجزائري أو السوري؟
20 أغسطس 2013 , 12:00ص
تتّجه الأوضاع في مصر إلى أن تأخذ منحى خطيراً على الصعيد الداخلي في ظل إصرار الفريق الانقلابي على تثبيت أركان الثورة المضادة للثورة المصرية، وإعادة إنتاج نظام يفوق بسوئه نظام مبارك بأشواط.
والحقيقة أن ما يحصل الآن في مصر هو خليط فيه أسوأ ما في السيناريوهات الثلاثة السابقة التركي والجزائري والسوري. وإن كان من الممكن حتى الآن تدارك تداعيات هذا الانقلاب العسكري في مصر وأفعاله الدموية، فإن استمرار الوضع على ما هو عليه أو تدهوره يعني أنّ استجلاب أو استحضار أسوأ ما في السيناريوهات الثلاثة السابقة سيكون مشهداً حتمياً.
يأخذ الانقلاب المصري من السيناريو التركي مسار تقويض الديمقراطيّة الوليدة. وإن كانت المؤسسة العسكرية التركية تهدف بالانقلابات التي قامت بها منذ عام 1960 إلى تدجين الديمقراطية وقولبتها بما يناسبها في ظل وجود مؤسسات للدولة، فإن الجيش المصري يهدف عبر الانقلاب بتقويض الديمقراطيّة كليّاً ومحاولة إعادة تشكيل نظام أبشع وأسوأ في مدخلاته ومخرجاته من نظام مبارك السابق بكثير.
قامت المؤسسة العسكرية التركية بالإطاحة بأول رئيس وزراء منتخب من قبل الشعب وهو عدنان مندريس في عام 1960، وتم اعتقاله مع عدد من الوزراء وكذلك إعدامه فيما بعد. لقد لعبت المؤسسة العسكرية التركية والقضاء والإعلام دوراً بارزا في هذا الانقلاب، وهو الأمر نفسه الذي يحصل الآن في مصر حيث وزير الدفاع ممثل المؤسسة العسكريّة بانقلاب على أول رئيس شرعي منتخب من قبل الشعب في التاريخ المصري الحديث، ولم يتم الاكتفاء بذلك بل وكذلك الإطاحة بكل المسار الديمقراطي من حل للمؤسسات الشرعية للبلاد التشريعية والتنفيذية وكذلك تعليق الدستور في مقدمة لتغييره وإعلان حالة الطوارئ. وقد تمّ استخدام السلطة القضائية لاعتقال ممثلي الشعب المصري الشرعيين وتوجيه تهم ملفقة لهم وسجنهم دون وجه حق، وكذلك اعتقال كثير من أنصارهم وقتل الآلاف وجرح عشرات الآلاف في محاولة لتثبيت الانقلاب.
وإن كانت الجيش التركي يستعين بغطاء مدني يتمثّل بالحزب الجمهوري، فإن هذه الثنائية ذاتها موجودة في الحالة المصرية وتتمثل في الجيش والحزب الوطني الديمقراطي (حزب مبارك).
من السيناريو الجزائري، تأخذ الحالة المصريّة الحالية النيّة في تصفية ما يعرف باسم حركات الإسلام السياسي التي اكتسحت الصناديق الانتخابية بطريقة مشروعة. فقد قام الجيش الجزائري في عام 1992، بالانقلاب على النتائج الانتخابية التي أعطت فوزاً كاسحاً للجبهة الإسلاميّة للإنقاذ في عملية عنيفة أدت إلى مقتل أكثر من 100 ألف جزائري. فالجيش هو الحاكم الحقيقي والفعلي في كلتا الحالتين بغض النظر عمّن هو موجود شكليّا في السلطة سواءً في الرئاسة أو في غيرها من المناصب. لا أحد يستطيع أن يكون في منصب من هذه المناصب من دون إشارة من الجيش.
أمّا العنصر الآخر في هذا السيناريو فهو الخشية من أن تدفع المجازر التي يقوم بها مثلّث الجيش المصري وشرطة وزارة الداخلية والبلطجية بحق المعارضين للانقلاب، النشاط السلمي والعلني للإسلاميين إلى الانتقال من العمل فوق الأرض إلى العمل تحت الأرض مع ما يحمله هذا من مخاطر على الجميع وإمكانيّة تدخّل أطراف خارجية لجهات متعدّدة. إلى الآن ما يحول دون إعادة إنتاج السيناريو الجزائري بالكامل هو استعانة الانقلاب العسكري المصري بأوجه مدنية في السلطة، وامتناع معارضي الانقلاب عن استخدام السلاح لمواجهة الجيش.
من السيناريو السوري، استخدم الانقلابيون في مصر الوسائل القذرة غير «الدولتيّة» في التعامل مع الحالة. بمعنى آخر، استخدموا الفكر الميليشياوي الذي يتقنه نظام بشّار الأسد من ناحية التكتيكات الإعلاميّة والسياسيّة والقضائيّة والعسكريّة. والأهم من ذلك استغلال نقاط ضعف المجتمع الدولي والمواقف الدولية من خلال استجلاب بعض المواضيع التي تحظى باهتمام وحساسيّة لدى الغرب كملفات «محاربة الإرهاب»، «الأقليّات سواء العلويّة في الحالة السورية أو المسيحية في الحالة المصرية»، «التطرّف»، «أمن إسرائيل»...إلخ.
كما بدا لافتاً الدور الواسع للبلطجية ومجموعات العصابات المطلوبة جنائيا، والاستعانة بميليشيات ومجرمين على نطاق واسع لمواجهة المتظاهرين السلميين والمعترضين على الانقلاب. فالبلطجيّة في مصر كالشبيحة في سوريا أصبحوا جيشاً موازياً، حيث يقدّر البعض أعدادهم بـ300 ألف يتم إطلاقهم من قبل الشرطة والجيش على المدنيين وتنفيذ العمليات القذرة.
ويتشابه أسلوب نظام الأسد والانقلابيين في مصر بالاستعانة بطبقة المنتفعين الاقتصاديين ورجال الأعمال، والاستعانة بالمؤسسة الدينية الإسلامية والكنسيّة للتغطية على الانقلاب (البوطي والمفتي حسون والراهبة أغنيس ماري في الحالة السورية، وشيخ الأزهر وبابا الأقباط في الحالة المصريّة) لإضفاء حالة من الشرعيّة الزائفة.
النظام السوري خلق جماعات معارضة هي صنيعة استخباراتيّة، وكذلك فعل النظام الاستخبارات المصري الذي خلق حركات مثل «حركة تمرد» يتشابه أسلوب الانقلاب المصري أيضا سياسات النظام السوري من حيث افتعال بعض العمليات الداخلية ونسبتها إلى المعارضة وفبركة أحداث لتبرير عمليات القتل الواسع التي تقوم بها السلطة.
ما يحول دون تحوّل مصر إلى سوريا حتى الآن هو ضبط معارضي الانقلاب لأنفسهم، وعدم تطوّر ردود أفعالهم على عمليات القتل الواسعة التي يتعرضون لها تحت مرأى ومسمع العالم إلى ردود فعل عنفيّة وعدم حمل السلاح في مواجهة الانقلاب. لقد استخدم الانقلابيون كل ما بوسعهم لدفع المعترضين السلميين إلى حمل السلاح حتى يصبح قمعهم مشروعاً دون أن ينجحوا في ذلك حتى الآن.
المشترك بين كل هذه السيناريوهات هو الموقف الدولي السيئ وعدم التحرك لردع الانقلابيين. فقد وفّر الموقف الدولي غطاءً للانقلابات سواء في حالة التأييد المباشر كما في الجزائر أو غض النظر كما في تركيا أو التردد كما في مصر، وهو ما يجب أن يتغيّر وإلا فلا معنى حينها لمواعظهم حول دعم الديمقراطية حول العالم.