alsharq

ماجد محمد الأنصاري

عدد المقالات 269

الفيلسوف الجاهل

19 مايو 2015 , 02:03ص

هل جلست يوماً مع شخص يتكلم في كل مجال ويزاحم في أي تخصص، أي موضوع يطرح سيكون فيه خبيراً، أي مشكلة تظهر سينبري لحلها، لا شك أننا جميعاً نجد في حياتنا مثل هذا الشخص، بل ربما في داخل كل منا يختبئ هذا الشخص، يرفض أن يتقبل جهله أو أن يعرف حجمه، يكفيه كلمتان تقال له أو يقرأهما في جريدة لتجعله خبيراً ينطلق مبشراً بأفكار جديدة وحلول عظيمة لكل معضلة أتعبت البشرية، وأعود لأقول كل واحد منا يجد في نفسه شيئاً من هذا، من منا يحب الاعتراف بجهله وقصوره، من منا لا يحب أن يسمع الآخرون له في كل موضوع ويتبع الناس طريقه في كل مجال؟ لكن هناك من يحول هذه الشهوة الخفية إلى ممارسة معلنة، وهنا المشكلة. هذا الشخص لا يهمه أن يكون متخصصاً، وإن كان يحدثك ليل نهار عن أهمية التخصص، ولا يهمه أن يكون ملماً بالموضوع الذي يتحدث فيه، ولو أمضى ساعات وهو يكلمك عن أهمية جمع المعلومات قبل الحكم على الشيء، لماذا؟ لأنه تجاوز مرحلة تقييم ذاته، فهو يعتقد أنه الأفضل، ولا مجال لمناقشة ذلك، ويعتقد أن عقله قادر على ما عجز عنه الآخرون، وكيف لا وهو من هو، ولكن كيف تنشأ وتتطور هذه الحالة؟ ربما يبدأ الأمر بنبوغ على مستوى الأقران، ويستشعر هو حالة النبوغ هذه من خلال ثناء من حوله وقدرته على إقناع الآخرين وإبهارهم، وربما تكون قدرات التفكير والتعبير العالية التي تجعل الشخص قادراً على أن يتكلم في أي موضوع ويبدو فاهماً له، وربما يكون نتيجة ثرائه أو منصبه الذي يجعل الناس ينافقونه في كل ما يقول، كلها أسباب تؤدي لنتيجة واحدة، قناعة لدى الشخص أن كل ما يقوله حكمة يجب أن تُكتب بماء الذهب. في مرحلة من مراحل حياتي اكتشفت نفسي وأنا أتصدر في كل مشهد وأتكلم في كل تخصص، أدرب في العلوم الإدارية، أتحدث في التربية، أنظر في الاقتصاد، وهكذا، ومن خلال مجموعة من الدروس القاسية اتخذت قراراً بأني، قدر الإمكان، سألتزم بالمجالات التي لدي فيها قيمة مضافة، ووضعت لذلك مجموعة معايير لتحديد ما إذا كان بإمكاني «التفلسف» في موضوع معين، أولاً، هل لدي المؤهل العلمي أو المعرفي للخوض في هذا الموضوع، هل هو في نطاق تخصصي العلمي الذي درسته وأفهم مناهجه ومعارفه؟ ثانياً، هل لدي تجربة عملية في هذا المجال بإمكاني نقل نتائجها للآخرين، إيجابية كانت أم سلبية، هل تجاوز تعاملي مع هذا الموضوع حيز التنظير إلى التطبيق؟ ثالثاً، هل يتعدى مستوى فهمي في هذا الموضوع مستوى فهم جلسائي أو على الأقل يقاربه؟ إذا كانت الإجابة نعم على أحد هذه الأسئلة على الأقل سمحت لنفسي أن أتكلم وأنظر وربما أتشدق بمعرفتي على الآخرين. لا شك أننا جميعاً عند الحديث العام نتكلم حول كل شيء، وليس هذا ما أعنيه هنا، فنقاش عام حول الشؤون السياسية في عالمنا لا يحتاج لمختصين في العلوم السياسية، وتداول حال السوق لا يحتاج لاقتصاديين ولكني أتكلم عن التصدر كمرجعية، أتكلم عن تقديمك لنفسك على أنك خبير أو مرجعية في هذا المجال، حتى في الوسط الاجتماعي العادي، فعندما تجلس في مجلس ما ويُطرح موضوع معين من الطبيعي أن تتداخل مع المتحدث وأن تعارضه وتوافقه في نقاش يسوده احترام أفكار الآخر، ولكن المشكلة هي في أن تستصغر آراء الآخرين وتقدم رأيك على أنه رأي علمي رصين وأنت في الحقيقة ربما تكون أقل دراية من الذين تحدثهم بالموضوع الذي تتحدث فيه. قلة التصدر في كل موضوع تعطي لكلامك مصداقية، فتبدو بمظهر أكثر قيمة عندما تتحدث، فكلما تصدرت في غير مجالك سهل العثور على عثراتك وتتبع الخلل في كلامك، وفي كل مرة يحدث ذلك فيها تكون خسرت جزءا من رصيدك لدى الآخرين، حتى ينتهي بك الأمر مفلساً من احترام من حولك، وربما أتاك ذلك السؤال القاتل الذي يقضي على رصيدك بضربة واحدة، ما دخلك بهذا المجال؟ ما تخصصك؟ ما الذي يجعلك أفهم من الآخرين في هذا الموضوع؟ حينها ستعدم جواباً مقنعاً إلا إذا كنت فعلاً مؤهلاً فيما تقول. جميل أن تحاول أن تكون مبدعاً في كل مجال تجد نفسك فيه، ولكن من المهم أن تعرف حدود قدراتك وتقيم ما لديك من معرفة، لا تنخدع بقدرتك على الكلام وتزويقه، ومهارات التفكير التي تمكنك من إخفاء جهلك، عندما يطلب رأيك فيما لا تعرف قل ببساطة، لا أعرف، ابحثوا عن صاحب تخصص، وإذا فتح الباب لك للحديث في موضوع لا تفقه فيه ابدأ كلامك بالاعتذار عن جهلك ثم تكلم في الجزئية التي تعرفها، كلنا نقع في هذا الفخ ولكن العبرة هي بأن نكون واعين لوقوعنا فيه، فإذا وجدت لسانك تجاوز قدرات عقلك، أدبه واعترف بجهلك أمام من أراد لسانك التباهي أمامه، فالاعتراف بالجهل لا يزيدك إلا قيمة، أما ادعاء العلم لا يزيد إلا جهلك. • majedalansari@hotmail.com  @majedalansari

تجربة التحليل السياسي

منذ عام 2006 بدأت في مجال التحليل السياسي، من خلال صفحات الجرائد المحلية المختلفة، ومنذ ذلك الحين التزمت بمقال أسبوعي يركز غالباً على التعليق على الأحداث الراهنة، أو مناقشة موضوع سياسي عام، مرت هذه التجربة...

تركيا.. الخطوة القادمة

بنجاح أكبر من الذي توقعته استطلاعات الرأي، عبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاستحقاق الانتخابي الرئاسي، ليقطع الطريق على من أراد أن يشكك في استمرار شعبيته في بلاده. وعلى الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة والتلاعب...

في القدس.. مَن في القدس؟

مذ عرّفني أحد الأصدقاء على قصيدة تميم البرغوثي عن القدس، دأبت على الاستماع إليها بين الفينة والأخرى، لا شك لجمالها أولاً، ولكن كذلك لأنها تنقلني إلى حالة شعورية مختلفة حول المدينة القديمة، أشعر وكأنني أمشي...

أطفال بألعاب

في الإنجليزية، إذا أردت أن تصف أشخاصاً يتقاتلون بطريقة صبيانية، فبإمكانك استخدام مصطلح «أطفال بألعاب»، في إشارة إلى أن أولئك الذين تتحدث عنهم يتصرفون كأطفال يتنازعون ألعاباً لا كأشخاص ناضجين.. العالم اليوم يكثر فيه من...

بين الخامس من يونيو والثامن عشر من ديسمبر

ستة أشهر كانت كفيلة ببث روح جديدة في الجسد القطري بعثها التحدي الأكبر الذي واجه البلاد في تاريخها، في هذه الأشهر الستة انطلقت قطر نحو المستقبل بخطى ثابتة والتحم الشعبي مع الرسمي لرسم لوحة مشرقة...

سيناريوهات واشنطن

آلة السياسة في واشنطن شديدة التعقيد، من حيث التركيب والأنظمة، فنظام التوازن والرقابة الذي يعطي كل سلطة صلاحية رقابية على الأخرى، ويجعل الصلاحيات متوازنة بينها، أورث نظاماً معقداً، ولكنه يعمل بكفاءة عالية، هذا النظام تعرّض...

حمقى بأسلحة نووية

أثارت كوريا الشمالية الرعب في محيطها الإقليمي والعالم أجمع بتصعيد تجاربها النووية والصاروخية، وحسب الخبراء العسكريين يمكن أن تصبح قريباً «الدولة المارقة»، كما يسميها ترمب، قادرة على تركيب رأس نووي على صاروخ متجه إلى الساحل...

مبادرات الرحمة

الأنشطة الثقافية للمؤسسات الخيرية هنا في قطر كانت وما زالت أكثر قدرة على جذب الجماهير من مثيلاتها الرسمية، ويعود ذلك لمجموعة من الأسباب، أهمها الطبيعة التطوعية لهذه الأنشطة، وما يحققه ذلك من إبداع ومرونة وحماس،...

ثالوث ترمب المقدس

حطت طائرة الرئيس الأميركي على أرض فلسطين ليكون أول مؤتمر صحافي له بجوار طائرته مناسبة جديدة يذكر فيها بالتزامه التام بأمن الكيان الصهيوني، بعد أن أمضى الأيام الماضية في التأكيد على رؤيته حيال «الإرهاب الإسلامي»...

الطريق والحزام والطموح الصيني

الثورة الاقتصادية الصينية التي دفعت بالصين من دولة مقسمة محتلة إلى أحد أقوى اقتصادات العالم استفادت بشكل كبير من المبدأ الذي وضعه باني نهضة الصين الاقتصادية الحديثة شياوبنج وهو رئيس الصين الثاني بعد ماو تسي...

مهب الرياح الغربية

احتفل قطاع كبير من الفرنسيين، ومعهم المعتدلون في أوروبا، والعالم الغربي بخسارة لوبين، وفوز ماكرون خلال الأيام الماضية، متجاوزين تهديداً آخر من اليمين المتطرف الأوروبي، وبذلك تتبدد أحلام اليمين المتطرف في القارة العجوز في أن...

المنطقة بين تركيا وإيران

خلال الشهور القليلة الماضية تغيرت الأوضاع في قطبين من أهم الأقطاب السياسية في المنطقة بشكل كامل، خلال الأعوام الماضية بدا أن النظام الإيراني يحكم قبضته على محيطه الداخلي والخارجي، وفي مقابل ذلك بدا أن الإدارة...