


عدد المقالات 3
خلال الرحلة يواجه البطل سلسلة من المحن؛ العملاق الذي يسدّ الصخرة في الكهف، والساحرة التي تعيش وحيدة في جزيرة وتحول الرجال إلى حيوانات مبررة ذلك بأنها إنما ترجعهم إلى طبيعتهم الداخلية وحوريات البحر اللاتي يقود غناؤهن البحارة إلى الهلاك والمرأة التي تقع في غرامهِ وتغذيه بزهرة اللوتس لتؤثر على أفكارهِ وتبقيه بعيدًا عن وطنه والعواصف البحرية. ومن هنا يتضح أن العملاق والساحرة وحوريات البحر والعواصف، لم يكونوا مجرد مغامرات مثيرة، بل يصح قراءتها ووصفها برموز للخوف والإغراء والغرور وسبب للشعور بالذنب وما يواجه الإنسان في أعماقه عندما تضعه الحياة قدام خيارات قاسية ورغبة في الهروب من الحقيقة ليتحول إلى حقيقة أخرى هي: العجز من الإفلات من آثام الماضي.
أما البيت الذي يسعى البطل للعودة إليه فلا يظهر باعتباره مكانًا جغرافيًا فحسب، لأن الجزيرة هي الزوجة والابن والاسم القديم والحياة التي كان يفترض أن يعيشها لو لم تبتلعه آثام الحرب. لذا يصبح الحنين إلى البيت حنينًا إلى الذات الأولى؛ الرجل الطبيعي الذي يفترض أنه كان عليه قبل أن يخوض معارك القتل والدمار. إنه يريد أن يعرف: هل بقي فيه شيء من ذاك الزوج والأب والإنسان أم أن الحرب حولته إلى محارب عنيف ومخادع لا يجيد سوى القتل والدمار والخدع والمكر.
الحرب انتهت لكن آثارها لم تنتهِ!
ومن هنا يتجاوز طرح الأوديسة في الفيلم بكونها ملحمة أسطورية عن الوحوش والسحر والآلهة المتعددة التي قامت الترجمة في دور السينما بحسب ما شاهدت بترجمتها تحت مسمى (الجبابرة) وهي ترجمة أخالها اتخذت لتفادي التصادم مع المشاهد العادي، ولتصبح الرؤية الحضارية التي يقدمها الفيلم عن الملحمة هي: رحلة الإنسان للتصالح مع نفسه والظهور بالمظهر الأخلاقي الذي يفترض أن يكون عليه!
وأكثر ما يلفت النظر في الفيلم هو رسم صورة فخمة للبطل؛ لا يقدم في هيئة محارب يتعامل بمنطق القوة والانتصار، بل يرسمه في صورة ملك ثابت ومحارب شرس؛ يقظ الضمير، يراجع نفسه ويتعلم من أفعاله. يتمسك بالوفاء ويحن لوطنه. هكذا يعاد ترجمة البطولة؛ فلا تقاس بعدد المعارك ولا الأرواح التي أزهقت سواء في ساحة المعركة أو غدرًا بالأبرياء أو خذلانًا للأوفياء، بل تقاس بطولته: بعودته لإنسانيته بعد أن خاض المعارك ودمر ما دمر وقتل من قتل وأحرق ما أحرق. وفي اعتقادي تعكس هذه الرؤية جانبًا مهمًا من الثقافة الغربية، التي تقدم أبطالها التاريخيين والأسطوريين بوصفهم بشرًا يخطئون يحاسبون أنفسهم ويتخذون الطريق الصواب. الضمير بمثل هذا الطرح جزء من البطولة والندم دليل الحس الأخلاقي.
العمل يدين الحرب لكنه لا يتخلى عن الإعجاب بذكاء البطل. يقدمه كشخصية تجمع بين القوة والهشاشة والمجد والألم والبطولة والذنب لتكون أكثر قربًا إلى الإنسان الطبيعي من البطل الجبار الذي اشتهر عنه أنه لا يعرف التردد ولا الندم. وأرى الجزيرة التي يعود البطل إليها رمزا لما يبحث عنه الإنسان بعد سنوات الضياع من طمأنينة واستقرار وأسرة وهوية وسلام داخلي.
وكما يدَّعي الإنسان الغربي أن له وجودًا تاريخيًا وإرثًا أدبيًا ضارب القدم في أعماق البشرية فإنه برأيي يدَّعي أن حسه الأخلاقي والضمير اليقظ له وجوده القديم أيضًا. وهذا هو الوجه الأكثر ظهورًا وبروزًا عند القراءة التحليلية للفيلم.
وأعتقد أنها صورة تستحق النظر وقراءتها قراءة دقيقة لأن الفيلم يجعل المشاهد يعيش معاناة المنتصر أكثر مما يعيش معاناة المهزوم. وعلى سبيل المثال، نحن نرى البطل يتألم ونسمع صدى أوجاع الحرب في رأسه لكننا في الوقت نفسه لا نقف طويلًا عند مصير مدينة طروادة التي أُحرقت وسقط أهلها. هنا يبرز سؤال مشروع: هل يكفي أن يشعر المنتصر بالندم حتى يصبح بطلًا أخلاقيًا؟ أم أن ضميره، مهما كان يقظًا، لا ينبغي أن يحجب عنا معاناة الضحايا؟ وهل الضحايا يستحقون أن يرووا مأساتهم؟ ولماذا في الغالب يستيقظ الضمير الأخلاقي في القصص الأسطورية التاريخية ولا يستيقظ لمشاهدة المعاناة الحقيقية للإنسان في الزمن الحاضر وفي كل بقاع الأرض؟ ولماذا تطفو الأخلاقيات الغربية على السطح في الملاحم والأفلام وتغيب في غالب الواقع؟ ولماذا تبرز صورة الإنسان الغربي التي تقدمها السينما في هيئة: رجل قوي منتصر، يقظ الضمير؛ يراجع نفسه ويتألم من أخطائه، يبحث عن الخلاص الأخلاقي؟
وهي تخدم سردية ثقافية غربية سائدة؛ البطل قائد حربي وإنسان قادر على نقد ذاته ومحاسبة ضميره. يحارب ويقتل ويخدع ثم يتذكر أفعاله ويندم عليها، يحن لزوجته وابنه ويستعيد إنسانيته. بذلك لا تبقى البطولة مرتبطة بما صنعه في طروادة بل بما شعر بعد سقوطها وتدميرها تدميرًا بشعًا. منح البطل شعور الندم والضمير يجعل المشاهد يتعاطف معه أكثر من ضحايا الحرب! وهو منعطف خطير وحساس يفترض الانتباه له فطروادة هي المدينة المحطمة لكن الحكاية التي يسردها الفيلم هي حكاية الرجل الذي أسهم في تدميرها ثم يصبح ألمه النفسي هو محور السرد لينتقل الاهتمام من معاناة المهزوم إلى معاناة المنتصر وهو يتعايش مع ما فعله ويبرر آثامه بعد يقظة ضميره!
وكما يجمع الفيلم بين إدانة الحرب ويقظه الضمير فإنه يثبت صورة (البطل الواحد) البطل الأخلاقي القادر على التصرف وتحقيق العدالة وهي لطالما تكررت في الأعمال الغربية مثل (بات مان) و(سوبر مان) وما شاكلهما.
ويبقى السؤال الأهم هو: هل يكفي أن يندم المنتصر حتى يصبح بطلًا أخلاقيًا؟ أم أن ضميره مهما كان يقظًا لا ينبغي أن يحجب أصوات الذين احترقت مدينتهم كي تبدأ أوديسّته هو؟
تحكي الأوديسة واحدة من أقدم القصص البشرية عن واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية ولا أخالها الأقدم على الاطلاق. ووحده الله الذي خلق البشرية، يعرفها حق المعرفة وقادر على أن يقدر عمرها؛ ويعلم متى بدأت ومتى...
ليس من السهل أن ترثي رجلًا بحجم صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فهناك رجال يرحلون فتغيب أجسادهم، لكن آثارهم تبقى نابضة في حياة أوطانهم، وهناك رجال يصبحون جزءًا من ذاكرة...