


عدد المقالات 1
إن غابت الأجساد عن الدنيا؛ فلن تغيب عظمة أصحابها وإنجازاتهم ومآثرهم ومحبتهم في القلوب. بحزن عميق أجد نفسي أفتتح مقالي هذا بتعزية نفسي ووطني: «بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، راضية بقضائه، نودع باني نهضتنا الحديثة ومُلهم أجيالنا، فقيد الوطن الكبير صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي غرس فينا قيم العطاء والتميز، وقاد البلاد ببصيرة نافذة ورؤية استشرافية عبقرية جعلت من الإنسان الركيزة الأساسية للتنمية ومحورها الأصيل، متجاوزاً بتطلعاته حدود الحاضر ليصنع مستقبلاً آمناً ومشرقاً لوطنه وشعبه». إن دولة قطر والأمتين العربية والإسلامية، بل والعالم بأسره، قد فقدوا برحيل المغفور له بإذن الله تعالى، سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، قائداً فذاً وزعيماً استثنائياً كرس حياته لخدمة وطنه وأمته، وصنع حقبة تاريخية مجيدة وضعت قطر في مصاف الدول المتقدمة والمؤثرة على الساحة الدولية. قائدًا ألهم برؤيته الثاقبة قلوبنا وعقولنا بضرورة ترسيخ ثقافة الحوار، وبخاصة حوار الأديان، داخلياً في المجتمع القطري وخارجياً في الساحة الدولية، من خلال المبادرات والمؤسسات التي أطلقت في عهده وما تزال تؤدي دوراً فاعلاً في بناء جسور السلام والتفاهم بين أتباع الديانات المختلفة. فمن كلمته- رحمه الله- وتنفيذاً لرؤيته الحكيمة بنبذ أفكار الصدام الحضاري وبناء جسور التواصل الحقيقي بين أتباع الأديان؛ حيث وجّه سموه برعاية مؤتمرات الدوحة لحوار الأديان منذ انطلاقتها الأولى عام 2003، لتكون الدوحة مظلة عالمية تلتقي تحتها القيادات الدينية والفكرية لإعلاء قيم التسامح ومحاربة فكر التعصب وخطاب الكراهية. لقد تأسس مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان؛ حينما قال- رحمه الله-: «إن الحوار بين الأديان هو وسيلة للتواصل مع الآخر ومعرفته، والبحث عن مساحات الالتقاء القيمي، بما يساعد على تجاوز التمييز بين الناس ورسم طريق لحياة تقوم على المحبة والانسجام». تلك الكلمة المباركة التي قالها والدًا وقائدًا وموجهًا؛ فكانت أحد أبرز تجليات «القوة الناعمة» القطرية في عهده وحتى الآن، حيث كان الوعي بأهمية دور القيم الدينية والحضارية وضرورة تأصيلها لخدمة السلام العالمي والتفاهم بين الشعوب. من هذه الكلمة حُفرت رؤية المركز ورسالته في قلوبنا جميعا قبل عقولنا، وصار كل عملنا فيه وسيلة لتحقيق هذه الرؤية المتمثلة في السعي إلى حوار بنّاء بين أتباع الأديان من أجل فهم أفضل لمبادئ التعاليم الدينية وتسخيرها في خدمة الإنسانية، على أساس الاحترام المتبادل والاعتراف بالاختلاف. لقد نجح سمو الأمير الوالد في ترسيخ مفهوم الدبلوماسية الثقافية والإنسانية لدولة قطر، وجعل من لغة الحوار والوساطة وحل النزاعات سلماً دولياً عُرفت به قطر عالمياً، إيماناً منه بأن السلام لا يتحقق إلا بالاعتراف بالآخر والاحترام المتبادل بين المشتركات الإنسانية. وإننا في الأسرة التربوية والتعليمية، وفي مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، نجدد العهد والولاء على السير وفق هذه المبادئ السامية، رافعين خالص التعازي والمواساة إلى مقام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، وإلى الأسرة الحاكمة الكريمة والشعب القطري كافة، سائلين المولى عز وجل أن يتغمد جسده الطاهر بواسع رحمته ورضوانه، وأن يسكنه فسيح جناته مع الصديقين والأبرار. إنا لله وإنا إليه راجعون.