4 يوليو استقلال أميركا واحتلالنا!
04 يوليو 2013 , 12:00ص
بالأمس مرت مصر العظمى بأحلك أيامها منذ سبعة آلاف سنة. فلم يختر الشعب رئيساً من قبل، وأمس كان يعبئ ضد بعضه، باحتقان لا مسبوق ضد ومع الشرعية على حد سواء، ومنهم من هو ضد نسبتهم تقل عن نصف عدد المقترعين للانتخابات الرئاسية. ومن هم مع نسبتهم تزيد عن نصف الذين توجهوا لصناديق الاقتراع واختاروا الرئيس الدكتور محمد مرسي ممثلاً لهم، ومن ثمة تأهل كرئيس شرعي دستوري وقانوني لمصر، وهو الرئيس الأول المختار بإرادة الشعب واختياره الحر، ولم يأت فوق ظهر دبابة عسكر، أو بإملاءات لفرض التصويت مع فئة ما كما عهد الحزب الوطني.
بالأمس وحتى كتابة هذا المقال، مرسي ما زال رئيساً متمسكاً بشرعيته رغم مؤشرات الانقلاب العسكري ضده.
لقد اتخذ منهج الإمام الحسين بن علي رضي الله عنه وأرضاه بالتمسك في أحقيته بالحكم، بينما الليبرالية والعلمانية وأموال الخليج والفلول والعسكر طالبوه الاقتداء بسيد شباب الجنة الإمام الحسن بن علي والتنازل عن الحكم حقناً لدماء المسلمين ودرءًا للفتنة، مع فارق التشبيه الكبير ولكننا نضرب مثلاً على منهجيتي السلمية والثورية ومشروعية كلاهما كاجتهادين في مسلك الحكم، ولكن الهوى وما أدراك ما الهوى، فكيف إن خلع الإنصاف وارتدى الظلم!
بالأمس انقسم المصريون بل العالم، فمصر شأن عالمي لا خاص بالمصريين فقط إلى «حسنيين وحسينيين» والمضحك المبكي أن نفس ذاك الذي يطالب مرسي بالمنهج الحسني في مصر بالتنازل عن الحكم ومع جزء معارض من الشعب المصري، يدعم المنهج الحسيني لبشار وحزب الشيطان ومن يقفون ضد حق أكثرية من الشعب السوري، هم لا يقفون مع ثورة معارضة مصر المستحقة الشريفة، بل مع فلول النظام البائد المباركي وأتباعه، والمناهضين من دول الخليج التي دعمت كل تحرك ضد الصناديق، وأصابت دم المصريين.
هذا التناقض المصلحي لم يأت من فراغ بالنسبة لثلة من الأتباع العجزة عن التفكير القويم بلا جهاز تحكم يعمل من بعيد في الولايات المتحدة الأميركية ويرسل إشاراته من واشنطن العاصمة!
هكذا كانت مصر أمس.
أما اليوم فهو الرابع من يوليو، الموافق لذكرى يوم الاستقلال لأميركا، فهل يمكننا أن نطلق عليه أيضاً أن ذكرى أخرى وهي بداية احتلال أميركا للعالم؟!
والسؤال هذا ليس نابعاً من فوبيا نظرية المؤامرة أو التباكي على الحال المزري لبقية العالم، ولكنه استفسار عن واقع نعيشه وحقيقة ثابتة أن أميركا دائماً تعيش على الأنقاض، أنقاض شعب ما وحق ما، الفرق أنها كانت في السابق تحيل الشعوب إلى بقايا وأشلاء بقوة السلاح الآن تدلس الحق لصالحها بالقوة الناعمة.
كذلك استطاعت عبر إبادة الشعب الأميركي الأصلي «الهنود الحمر» ببناء دولتها على لحم وعظم الآخر، وتدعو الجميع اليوم عن التعايش مع الآخر، واحترام الآخر، وتقبل التعدديات في الدولة الحديثة، وتمارس دور الشرطي الجيد في توجيه سير الديمقراطيات الناشئة، وهي أصلاً لم تفهم استقلالاً ودولة بلا إقصاء الآخر الموجود قبلها، ضاق المكان عليها بسبب شعب يعيش على الأرض الأميركية وعجزت عن التعايش مع عاداته وتقاليده وطقوسه واستخدمت القوة لإزالته من طريق دولتها، وهي الضامن للوجود الإسرائيلي عبر دعواها المعروفة أعلاه!
إعلان الاستقلال الأميركي الذي يراه أتباعها بين ظهرانينا أنموذجا للحرية والعدالة والمساواة والحياة الحقيقية، هو كذلك على مقابر جماعية لأمم سابقة، ولكنها تعلمت الدرس من محاولتها الناجحة لإلغاء شعب كامل لتؤسس شعبها الجديد على التعددية والقبول، ولما بدأت بناء ولاياتها العظمى ظنت أن التاريخ يمكن محوه مثل البشر والشجر والحجر، كما حدث في هيروشيما!
التاريخ موجود. ولم يُمح، ولكن الناس لا تقرأ إلا ما تضعه أميركا على شاشاتهم، واليوم يتكرر ولكن بالقوة الجديدة، بالتكتلات السياسية العالمية على شكل هيئات ومجالس ومنظمات دولية، والإعلام الموجه الإخباري وغير الموجه بالأفلام والمسلسلات والبرامج الحوارية والواقعية، والمراكز البحثية ومراكز الدراسات واستطلاع الرأي التي تتبناها وتمولها وتعطي لأصحابها مكانة وتقربهم إليها عبر سفاراتها ومكاتبها الإعلامية والتجارية والثقافية وكله تحت مسمى «تبادل» سواء ثقافي أو تجاري أو إعلامي، بالإضافة للمؤسسات التعليمية وهذه أكبر مراكز للتغريب الممنهج المبرمج والناجح وطويل الأمد. في عام 2001 تم اختياري للمشاركة في برنامج تبادل الزائرين من حول العالم وبتكفل مادي باذخ تام من أميركا للانضمام لبرامج تدريبية في خمس ولايات أميركية مختلفة الثقافات وحتى يشكل العضو فكرة عن الشعب الأميركي المتعدد، والذي يقبل الاختلاف ويساند المختلفين عنه، ولكنها لم تشر إلى أنه يسحق المختلفين معه أيضاً!
وسبحان الله كيف يمكرون ويمكر الله عليهم. فمنذ ذاك اتضحت لي صورة أميركا البشعة، بدأت تتضح ملامحها التي كنت أغطيها بحب مسلسل «دالاس» لأثرياء النفط و «فريندز» لقصص الحب، وغيرهم مما كنا نظنه أميركا.
وعبر برامج التبادل الثقافي «الاستخباراتي» الهادف كقوة ناعمة لغسل مخ مسلمين ملتزمين، وأعني يختارونهم شكلاً بحجاب ولحية، ليكونوا ذيولاً لهم عند الحاجة، وفلولاً في أوطانهم وضد دينهم!
حتى إن عجز احتلالها للعالم بالقوة الخشنة، ستجد من جندت منهم المئات بجامعاتها ومعاهدها، ويكفي أن تستمع لأي مبتعث لتفهم ماذا أقول. فالولايات المتحدة الأميركية تفهم التحول من قوة حرب إلى غزو العقل، وتعلم جيداً ماذا يعني أن يتحول الجهاد إلى حالة عامة عند المسلمين، كما هي عقيدة اليابانيين الذين هاجموا بيرل هاربر «الموت في سبيل الوطن» فالمسلم يموت في سبيل الله، أما أمتهم فتهرب من الموت هروب المسلم من الحياة لذلك تجنبته.
وما الحرب الباردة إلا إحدى تلك القوى الناعمة ببعض الخشونة المخفية بالتجسس والاستطلاع الصحافي السري واستخدام الدعارة والفضائح الجنسية للابتزاز والضغط على الدول لفرض أجندتها رغماً عن أي منطق وحق واستقلال وسيادة!
اليوم المشاهد السياسية في الشرق الأوسط، من فلسطين، إلى سوريا، إلى مصر، إلى ليبيا، إلى تونس، إلى الجزائر قبلاً، إلى الخليج، ماذا أعد وكيف أحصي؟! كل العالم يرزح تحت جملة (صرح البيت الأبيض) أو (قال الرئيس الأميركي) ليبدأ هو بالتفكير في الخطوة المقبلة! لم تعد حتى عقول إدارات تلك الدول قادرة على الإنتاج بلا أرضية أساسية هي التصريحات الأميركية، أأكثر من ذلك مأساة واحتلال واستعباد؟!
ومصر الحبيبة وأنا أكتب لكم في الساعة الثامنة وخمس عشرة دقيقة مساء الأربعاء الثالث من يوليو، ما زالت بلا قرار سيادي وبلا وضوح لمستقبلها، وأميركا ستحتفل بعد ساعات بذكرى حريتها واستعبادنا، أفهمتم؟!