دروس إيرانية للإسلاميين العرب في التعامل مع الغرب
01 أكتوبر 2013 , 12:00ص
نعاني في العالم العربي من كم هائل من المشاكل، حتى بتنا لا نعرف من أين نبدأ العلاج، لكن ذلك لا يعد مشكلة بحد ذاته, مقارنة بغياب الرؤية الواضحة للتعامل مع الوضع. وفي طريق البحث عن حلول، تدفعنا العديد من الأنظمة العربية كنُخبها المصنّعة على شاكلتها إلى الهاوية منذ أكثر من نصف قرن, حتى باتت «خير أمّة أخرجت للناس» في قاع الأمم اليوم.
وللأسف لم يستغل التيّار الإسلامي الذي احتل موقع المعارضة في العالم العربي خلال كل تلك الفترة هذه الفرصة الزمنيّة لتطوير رؤى وبرامج عمليّة بديلة، ولا حتى لتطوير نخب قادرة على استلام دفّة العمل السياسي. إذ ظلّت مساهماتهم في هذا الجانب محدودة للغاية في ظل غلبة الخطاب الديني والفقهي، والاهتمامات القشرية دون الحقيقيّة بمتطلبات المجتمع، وغياب أدوات إدارة مجتمع متنوّع فكريا وأيديولوجيا وتضارب مصالح إقليمية ودولية.
موضوع التعامل مع الغرب يعد واحداً من مواضيع عديدة من الممكن أن نشير فيه إلى فشل الأنظمة والمعارضات في إيجاد وسيلة ناجعة للتعامل معه بما ينعكس إيجاباً على المصالح الوطنية والقومية على حد سواء.
الأنظمة الموجودة لدينا في العالم العربي والتي تندرج تحت خانة «حلفاء الولايات المتحدة» هم في حقيقة الأمر لا يقدمون ولا يؤخرون في التأثير على سياسات الولايات المتحدة ولا على قراراتها تجاه المنطقة. هم مجرد مغتصبين للسلطة بغرض فرض الاستقرار «الملتوي» في دولهم، حيث يكمن الاهتمام الأميركي الأبرز في النفط وتدفق النفط إلى العالم. فالنفط في هذا المجال هو الحليف وليس هذه الأنظمة التي ترتعد فرائسها الآن من صفقة أميركية-إيرانية ستطيح بهم وبعروشهم إن تمت، وهي ستتم عاجلاً أم آجلاً، وسيتم التضحية بهم حينها، فأميركا لا تتعامل إلا مع القوي القادر ليس فقط على حماية مصالحه بنفسه، وإنما تأمين مصالحها أيضاً بشكل عملي على الأرض. أما الإسلاميون العرب، فهم في المجمل لا يزالون أسرى الخطاب التقليدي المتحجر الذي يتعامل مع الغرب ككتلة صماء، مطلقين العنان للعموميات والحكم السطحي، ومحملا واشنطن مسؤولية كل شاردة وواردة تحصل في العالم في أسهل طريق للتخلي عن المسؤوليات أو إعمال الذهن لإيجاد الحلول المناسبة لها, أو حتى بذل المجهود اللازم لاختراق هذا التعقيد في المشهد الغربي والأميركي ومحاولة توظيفه بما يخدم الأجندة الذاتية. باختصار الإسلاميون العرب هم كمن يريد أن يلعب لعبة «الريسك» مع لاعبين يلعبون «المونوبولي»! المشكلة عندنا، طالما أننا لا نفهم اللعبة ولا قواعدها، فسنبقى نخسر وفي كثير من الحالات نُطرد, وفي الأغلب الأعم تكون اللعبة على حسابنا دوماً. في الغرب عموما, وفي الولايات المتحدة خصوصاً، هناك عدد من الملفات والمواضيع التي تعتبر بمثابة مفاتيح للدخول إلى العقل الغربي وتحقيق التواصل اللازم عبر لغة موحدة. من دون معرفة هذه المفاتيح سيكون التواصل مع الغرب كالتواصل بين طرفين لا يتحدثون لغة مشتركة ولا يفهمون لغة بعضهم البعض، لا بل حتى لا يتقنون لغة الإشارة. يجب أن نفهم أنه وكما من النادر أن تجد إسلامياً لا يلقي بتحية «السلام عليكم»، فإنه من النادر ألا تجد غربيا يتحدث عن الديمقراطية. وبغض النظر عما إذا كان الطرفان يؤمنان بما يقولان حقا أو أنهما اعتادا تكرار الحديث عن الأمر، فإن ذلك لا ينفي أهمية الموضوع لديهما على الأقل من الجانب الشكلي.
الإيرانيون، وعلى عكس العرب، يعرفون مفاتيح الغرب جيداً، ويمتلكون برنامجاً لخدمة مصالحهم القومية، ولديهم خطابات متعددة، منها ما هو للجمهور ومنها ما هو للإقليم, ومنها ما هو للدولي، ولديهم أيضاً مستويات متعددة للتواصل، منها ما هو علني ومنها ما هو سري ومنها ما هو مدني ومنها ما هو عسكري، كما أن لديهم الأدوات اللازمة لتنفيذ رؤيتهم بما يحقق مصلحتهم بغض النظر عن التكاليف التي غالبا ما يتم تلزيمها للآخر الذي يلعبون على أرضه (في هذه الحالة العرب) أو عن القدر الذي أنجزوه باتجاه تحقيق هذه الأجندة (غالبا على حساب العرب).
عندما جاء الرئيس الإيراني روحاني إلى الحكم بتسهيل من المرشد، بدا واضحاً أن هناك تصورا للنظام الإيراني ككل في الانفتاح على واشنطن, لأن ذلك أصبح ضرورة قصوى في ظل الظروف المحلية الداخلية والإقليمية والدولية, قد يؤدي الإحجام عنها إلى انهيار النظام، وقد شرحنا ذلك في مقال سابق تحت عنوان «روحاني ورقة النظام الإيراني الرابحة».
بعض الملاحظات التي سجلتها على طريقة تواصل النظام الإيراني مع واشنطن والغرب تعطينا فكرة عن مدى فهم العقلية الإيرانية لمفاتيح السياسية الغربية والأميركية بشكل عام.
1) الغرب يهتم بشكل كبير بموضوع المرأة كما تعلمون، وأول خطوة قام بها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، هو اختياره لأول مرة في تاريخ إيران الحديث امرأة (مرضية أفخم) في منصب المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإيرانية. ونظرا لما لوزارة الخارجية من دور حثيث ونشاط دائم خلال المرحلة القادمة، فإن «مرضية» ستكون على الدوام في واجهة الإعلام الغربي على مدار الساعة.
2) الغرب يهتم كثيرا بموضوع الأقليات في الشرق الأوسط. ورغم أن أعداد يهود إيران صغيرة جداً (هناك اختلاف في تحديد الرقم لكن كثير من المصادر تشير الآن إلى أنهم في حدود 30 ألف يهودي يعيشون في إيران)، إلا أن الرئيس روحاني حرص على اصطحاب نائب يهودي معه في زيارته الأخيرة إلى نيويورك وهو «سيامك مرة صدق»، في خطوة تهدف إلى إعطاء صورة إيجابية عن حقوق الأقليات والمواطنة في إيران, خاصة أن هذه الأقليات لها وزن أكبر مما يعكسه حجمها لاسيما على الصعيد العالمي.
3) الغرب يهتم كثيرا بموضوع أمن إسرائيل واليهود، فقام روحاني لأول مرة بتهنئة اليهود في العالم وإيران بعيدهم في السنة الجديدة, وذلك عبر رسالة تويتر باللغة الإنجليزية بما ينعكس على صورة الآخرين الذهنية عن إيران أو المسؤولين الإيرانيين في الغرب, سواء إزاء الموقف أو الرسالة أو اللغة أو الأداة المستخدمة. كما قام بإجراء مقابلة مع قناة «سي أن أن» الأميركية قال فيها: «كل جريمة ضد الإنسانية بما في ذلك الجرائم التي ارتكبها النازيون بحق اليهود هي ذميمة ومدانة»، وقام وزير الخارجية أيضاً وبنفس الأسلوب بالقول: «ليس لدينا شيء ضد اليهود، لا أحد في إيران ينكر المحرقة اليهودية (الهولوكوست) التي ارتكبها النازيون باستثناء شخص واحد (نجاد) وقد رحل!
4) الغرب يعطي أولوية للغة المصالح، فقام روحاني بالتركيز في كل خطاباته على المصالح المشتركة بين إيران والغرب, آخرها الكلمة التي ألقاها قبل التوجه إلى نيويورك وركز فيها على ثلاثة أمور أساسية تحتل أولوية لدى الغرب، وهي: «أنه يمثل الشعب الإيراني (يعني جاء عبر الديمقراطية ويخاطب الغرب باسم الشعب)، «محاربة التطرف والعنف» (أهم ملف للغرب)، «السعي لتطوير البلاد دون المساس بالدول الأخرى» (المقصود دون المساس بإسرائيل)، مؤكداً على أنه بإمكانه تحقيق المصالح المشتركة عبر الحوار والتسامح وليس عبر العقوبات.
لقد استطاع الإيرانيون عبر خطوات بسيطة لكن مهمة جداً ومؤثرة تحقيق خرق في جدار الغرب، بل عزل إسرائيل دبلوماسياً دون إطلاق صاروخ واحد, بل حتى دون تقديم أي تنازل حقيقي إلى الآن.
هذه المناورات مهمة جدا في عالم السياسية. لا ندعو الآخرين إلى التحول لنموذج النفاق الإيراني, ولكن هناك مساحة كبيرة بين النفاق الإيراني والجمود والتخشب العربي تتيح الليونة اللازمة لإجراء مناورات من شأنها أن تبقي على التواصل مع الغرب, وأن تحقق المصالح الوطنية، على العرب لاسيما الإسلاميين منهم الإفادة منها.