لماذا لم يتوقع الاقتصاديون الربيع العربي
23 مارس 2017 , 01:25ص
حلَّت الذكرى السادسة لانتفاضة الربيع العربي هذا العام دون أن ينتبه إليها أحد، خلافاً للسنوات السابقة، لم نشهد سيلاً من التعليقات حول العاصفة التي هزَّت العالم العربي، ووعدت بتحول سياساته.
وبالطبع، فإن الأشياء الحديثة تختفي تدريجياً مع مرور الوقت، لكن ضعف الاهتمام بالانتفاضات العربية يعكس تحولاً أعمق: إن الأمل لبناء أنظمة سياسية جديدة وأكثر تمثيلية قد أفسح الطريق لليأس، كما تحولت الثورات المنتظرة إلى ثورة مضادة، وحروب أهلية، ودول فاشلة، وزيادة التطرف الديني.
ونظراً للنتائج غير المرضية حتى الآن، يجب أن نستمر في التركيز على انتفاضات الربيع العربي، من أجل الكشف عن أسبابها الجذرية، مثل أي حدث تاريخي، فقد طرحت الانتفاضات أسئلة جديدة وصعبة، ومن أهمها السبب في فشل الاقتصاديين في توقع الاضطرابات.
إن التنبؤ بالاضطرابات السياسية ليس بالأمر السهل، خبراء الاقتصاد ليس لديهم سجل مثير عندما يتعلق الأمر بالتنبؤ حتى بالأزمات الاقتصادية، لكن هذا الفشل في التنبؤ قد يعكس مشكلة أعمق مع الافتراضات والأطر الاقتصادية.
عشية سقوط بعض الحكام العرب المستبدين، كان يتم في الواقع تمجيدهم من قبل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي نظراً للنجاح المفترض الذي حققوه في تبني السياسات الاقتصادية «الصحيحة»، إن اعتراف البنك الدولي بخطئه هو دليل واضح على أنه أخطأ في الانتباه إلى وجود خلل في السياسات المقررة من قبل الأنظمة الرجعية العربية.
وهذا يثير مجموعة من الأسئلة الأخرى، هل كان الاقتصاديون يركِّزون على مؤشرات خاطئة؟ هل كانوا مضلَّلين بسبب الاستدلالات الخاطئة؟ أو لم يولوا اهتماماً كافياً للمزالق المحتملة؟ باختصار، هل كان الأمر يتعلق بمشكلة البيانات أو بمشكلة التحليل؟
إن الفشل في توقع الثورات السياسية يعكس -جزئياً على الأقل- القصور في الأطر المفاهيمية، يميل الاقتصاد السائد إلى التركيز على التوازنات وعلى الاقتصاد المتجانس، مسترشداً بالاختيار العقلاني، عندما تعادل الفوائد الهامشية التكاليف الثانوية، من الواضح أن هذا الإطار المفاهيمي غير قادر على التعامل مع الاضطرابات الاجتماعية والسياسية، التي بالكاد يمكن وصفها بأنها تغييرات هامشية.
وهناك أيضاً أبعاد تجريبية لفشل هذا التنبؤ، فقد رسمت العديد من البيانات صورة إيجابية تماماً عن الوضع الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA)، خلال العقد الذي سبق اندلاع الانتفاضات.
حصلت أيضاً تحسينات ملموسة في مؤشرات التنمية البشرية في دول المنطقة، والتابعة للمعايير التقليدية، وأخذت الفوارق الاجتماعية تنخفض في بعض منها، على سبيل المثال، كان المعامل الجيني لتوزيع الدخل ينخفض في مصر. وعلاوة على ذلك، على الرغم من ندرة البيانات في بعض الدول التي اجتاحها الربيع العربي، كانت نسب الفقر بالفعل من بين أدنى المعدلات في العالم النامي، وبالأخص في تونس.
لكن لم تكن كل الأخبار جيدة بطبيعة الحال، عندما اندلعت الثورات، كان هناك كثير من الأسباب التي دفعت الناس العاديين، وخاصة الشباب والطبقات الوسطى المتعلمة، ليشعروا بالغربة سياسياً، كانت معدلات البطالة -خاصة بين الشباب- عالية جداً، ونادراً ما يعطي المتسلطون الأولوية للعدالة الاجتماعية.
حتى في حالات الركود الاقتصادي التي سبقت الثورات، قد يكون هناك تقدم سابق في الرخاء، وفقاً لنظرية عالم الاجتماع الأميركي جيمس س. ديفيز التي تسمى نظرية منحنى ج، فالثورات -مثل الثورة الروسية عام 1917 والثورة المصرية عام 1952- تَحدث عند انعكاس فترات التنمية الاقتصادية والاجتماعية لفترة طويلة بشكل حاد ومفاجئ، وبعبارة أخرى، إنها ليست صعوبات اقتصادية واضحة، وإنما إحباط ناتج عن التفاوت بين الانتظارات والواقع الذي يوقظ الشعوب.
بالتنسيق مع «بروجيكت سنديكيت»