الثلاثاء 6 جمادى الآخرة / 19 يناير 2021
 / 
10:11 م بتوقيت الدوحة

فرنسا بين سوريا ومالي

كلمة العرب
رغم أن ما حصل في مالي، قبيل التدخل الفرنسي الأخير المسنود بغطاء دولي، لا يعدو أن يكون شأناً داخلياً قبل كل شيء، ولا يكاد أن يمثل إلا نسبة ضئيلة جداً مما حصل ويحصل في سوريا منذ نحو عامين، إلا أن سرعة التدخل الغربي -متمثلاً بفرنسا التي تدعي أنها جاءت لحماية رعاياها- كان سريعاً. التدخل الفرنسي -وفقاً لما وصفه الرئيس فرانسو هولاند- يهدف لوقف الاعتداء، وتأمين باماكو، والحفاظ على وحدة أراضي هذا البلد. فلماذا لم يتم التعامل مع سوريا بنفس المعايير لتحقيق الأهداف التي يزعم رئيس فرنسا رغبته في تحقيقها؟! ما زالت صرخات النساء والأطفال في سوريا مستمرة فهل يسمع المجتمع الدولي أصداءها؟ لعل ازدواجية المعايير الدولية، هي العنوان الأبرز، حين نقارن بين التدخل الغربي في مالي، وغض الطرف عما يجري في سوريا، وهي معايير يبدو أن المجتمع الدولي -متمثلاً بأوروبا والولايات المتحدة الأميركية- يجيد استخدامها، منذ أن شرعن التدخل في العراق واحتلاله، رغم عدم صدور قرار دولي من مجلس الأمن يبيح ذلك. إن التخوف من تمدد الإسلاميين في مالي عقب سيطرتهم على أجزاء من البلاد، هو دافع لا أساس له لتتدخل فرنسا في مالي، خاصة أن هناك مفاوضات بدأت بين بعض الدول المحيطة بمالي، والحكومة المالية ذاتها من جهة، وبين المجموعات الإسلامية من جهة أخرى. التدخل العسكري المباشر من قبل فرنسا في مالي، وبتعامٍ دولي، لن يجلب حلاً لمشاكل مالي، ولن يعيد هيبة الدولة هناك، بل إن تدخلاً سافراً بهذا الشكل يمكن أن يزيد من نقمة الإسلاميين، ونخشى أن يعتبره المسلمون حرباً على الإسلام، ليس في مالي وحسب وإنما في عموم أرجاء المعمورة، خاصة إذا تطور هذا التدخل، واستغرق زمناً أطول وهذا ما رجحه الخبراء. إن المجتمع الدولي اليوم بحاجة لإعادة الثقة في الأمم المتحدة ودورها، فلا يمكن الاستمرار بازدواجية المعايير التي تمارس منذ نكبة فلسطين في عام 1948 وحتى اليوم، الأمر الذي انعكس سلباً على نظرة الشعوب العربية والإسلامية. سوريا التي ضحت بأكثر من 60 ألف شخص من أبنائها، ونحو أربعة ملايين ما بين مهجر ونازح، ناهيك عن أكثر من 250 ألف معتقل، كانت أولى بهذه «الحمية» الغربية، ولو بالسماح لمواطني سوريا بالحصول على السلاح للدفاع عن أنفسهم. ستجلب فرنسا ومن خلفها الولايات المتحدة الأميركية والناتو المزيد من المشاكل للغرب جراء هذا التدخل في مالي، وغض الطرف عما يجري في سوريا، وإذا لم تسارع فرنسا إلى إنهاء عملياتها العسكرية، وزيادة فعالياتها مع المجتمع الدولي إزاء ما يجري في سوريا، فإن الشعوب لا يمكن لها أن تثق مجدداً بتلك المعايير الإنسانية التي طالما يتشدق بها الغرب وأميركا. لدينا الآن حوالي 150 ألف لاجئ من مالي فروا إلى بوركينا فاسو والنيجر وموريتانيا والجزائر بحسب المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة أمس الثلاثاء، وهم في ازدياد فهل هذا ما تريده فرنسا والمجتمع الدولي؟ إن الحوار السياسي هو الحل الوحيد في مالي، ولن تُحل المسألة بالقوة.