alsharq

محمد همام فكري

عدد المقالات 1

في وداع الأمير الوالد.. ودعناك مرتين

14 يوليو 2026 , 01:37ص

في وداعك، ودعناك مرتين.
الأولى، يوم تركت كرسي الحكم، لتجلس في قلوب الناس. وكتبت يومها أن الشيخ حمد ترك الكرسي، لكنه اختار مكانًا أبقى منه؛ قلوب محبيه.
واليوم، ونحن نودعك إلى رحمة الله، أقول: لقد تركت الدنيا، وأخذت معك تلك القلوب التي أحبتك.
يصعب على مثلي أن يرثيك، فالرجل الذي يغيّر مسار وطن، ويترك بصمته في وجدان شعب، لا تكفيه الكلمات. وما أكتبه ليس تأريخًا لمسيرتك، فذلك سيظل عمل المؤرخين، وإنما هو شهادة رجل عاش في قطر ما يقارب نصف قرن، ورأى بعينيه كيف تصنع القيادة تاريخًا، وكيف يستطيع رجل واحد، إذا امتلك الرؤية والإرادة، أن ينقل وطنًا من مرحلة إلى مرحلة.
حين جئت إلى قطر كانت مدينة هادئة صغيرة، يعرف أهلها بعضهم بعضًا، ويعيشون ببساطة أهل البحر والصحراء. ثم جاءت مرحلة جديدة، لم تكن مجرد طفرة اقتصادية، بل مشروعًا متكاملًا لبناء الدولة والإنسان. كانت القيادة عندك قرارًا ومسؤولية، لا امتيازًا. وكانت الشجاعة عندك أن تتحمل مسؤولية القرار مهما كانت كلفته، وأن تنظر إلى المستقبل بعين لا تخشاها الحسابات الصغيرة. فالقادة كثيرون، أما الذين يملكون شجاعة الانتقال بأوطانهم إلى آفاق جديدة فقليلون.
لقد منحت القطري ثقته بنفسه، وجعلته يشعر أن وطنه ليس بلدًا صغيرًا على هامش الأحداث، بل دولة تمتلك حضورها ورأيها ومكانتها. غرست في النفوس معنى العزة الوطنية، حتى أصبح الانتماء إلى قطر مصدر فخر لأبنائها، وصارت الهوية القطرية أكثر رسوخًا وثقة بنفسها.
وكانت هذه العزة مقرونة بالتواضع. فكلما اتسعت مكانة قطر، ازددت قربًا من أهلها.
كنت أراك في مواقع العمل، تتابع بنفسك، وتسأل وتناقش وتشير، وكأن كل مشروع مسؤوليتك الشخصية. لم تكن حاكمًا يكتفي بالتقارير، بل قائدًا يعيش تفاصيل النهضة، ويؤمن أن البناء الحقيقي لا يتم من خلف المكاتب.
ثم أراك في المقاهي، وبين الناس، تأكل في مطاعمهم، وتشرب الكرك، وتحادث الأطفال قبل الكبار، وتطلق ضحكتك التي يعرفها الجميع. لم يكن ذلك تصنعًا، بل كان جزءًا من شخصيتك؛ فقد بقي الإنسان فيك أكبر من المنصب، وبقيت قريبًا من الناس، لا تفصل بينك وبينهم الحواجز.
ومن عاش قريبًا منك، أدرك أن حبك لقطر لم يكن شعارًا يقال، بل شعورًا يترجم إلى عمل. كنت تحمل الوطن في قلبك، وتتعامل مع كل إنجاز على أنه واجب، لا منّة. ولذلك أحبك الناس، لا لأنك كنت أميرًا، بل لأنهم رأوا فيك الإنسان الذي حفظ كرامتهم، ورفع مكانة وطنهم، وفتح أمامهم أبواب المستقبل.
ولهذا لم تكن الألقاب التي منحك إياها الناس ألقابًا رسمية، بل كانت وسامًا شعبيًا خرج من القلب: دفان الفقر، وحمد الخير، والعود. وهي ألقاب لا تمنحها المراسيم، وإنما تمنحها المحبة.
سيكتب التاريخ عن السياسة، والاقتصاد، والدبلوماسية، والمؤسسات، والإنجازات الكبرى. أما أنا، فسأكتب عن شيء آخر؛ عن ذلك الحب الذي كنت أراه في عيون الناس كلما ذُكر اسمك. فذلك هو الإنجاز الذي لا تصنعه السلطة، وإنما تصنعه القيادة الصادقة، والعدل، والقرب من الناس.