هل سيرد حلفاء الأسد على الضربة إن وقعت؟
10 سبتمبر 2013 , 12:00ص
في موازاة النقاش الذي يجري الآن حول الحصول على موافقة المشرعين الأميركيين لتنفيذ الضربة المحدودة التي طال الحديث عنها، هناك نقاش آخر يجري حول طبيعة رد فعل حلفاء الأسد على الضربة العسكرية التي سيتلقاها النظام السوري حال تم إقرارها، وحول شكل هذا الرد وحجمه ومداه.
ويتمحور التركيز في هذا المجال تحديداً على مواقف كل من روسيا وإيران وحزب الله. فبعد أن كانت موسكو عبرت صراحة عبر وزير الخارجية الروسية سيرجي لافروف عن أنها لم تشترك في حرب ضد أي أحد، قبل أن يعود الرئيس الروسي بوتن بالتأكيد في ختام اجتماع قمة العشرين عن أن بلاده ستدعم النظام السوري سياسياً واقتصادياً وحتى عسكرياً.
والحقيقة أنه ورغم أن هذا التصريح الأخير الذي ترافق مع حشد موسكو لأكبر أسطول روسي في المتوسط منذ انهيار الاتحاد السوفيتي هو تعبير عن التزام بوتن بدعم الأسد سياسياً من خلال مناورة كلامية وعملية، إلا أنه ليس من المتوقع أن تذهب روسيا في موقفها أبعد من ذلك، وهو ما تؤكده المعطيات التاريخية المتكررة التي اختبرت الموقف الروسي المرة تلو الأخرى دون أن يختلف الرد. فمصالح روسيا على سبيل المثال مع النظام الليبي بقيادة معمر القذافي كانت ضخمة للغاية وعقود التسليح وحدها كانت تدور حول 30 مليار دولار، ومع ذلك لم تفعل موسكو شيئاً حيال مهاجمة نظام القذافي والإطاحة به. موقف موسكو من الحرب على العراق لم يكن مغايراً رغم العلاقات الجيدة بين البلدين، فرغم معارضتها، لم تفعل موسكو شيئاً إزاء هجمات التحالف الدولي للإطاحة بنظام صدام. وكذلك كان موقف موسكو مع أقوى حلفائها على الإطلاق سلوبودان ميليزوفيتش والذي دعمته حتى آخر لحظة دون أن تستطيع منع الهجوم الذي تم عليه رغم معارضتها الشديدة له. لذلك، فمن المتوقع أن لا يتخطى الموقف الروسي هذا السقف، سيما وأن الضربة المزمعة ضد النظام السوري ستكون محدودة ولن تتعداها إلى هدف الإطاحة بالأسد، وهو ما يعني أن هناك إمكانية لروسيا لمواصلة اللعبة بعد تلقي الأسد للضربة.
أما بالنسبة إلى إيران، أقوى حلفاء الأسد عملياً على الإطلاق من ناحية دعمه مادياً وسياسياً وعسكرياً وأمنياً، فهي لا تمتلك القدرات العسكرية التقليدية التي تخولها الدخول في حرب مباشرة مع لاعب من وزن الولايات المتحدة من جهة، وليس لديها مصلحة أيضاً في هذا التوقيت في تحويل الضربة المحدودة المفترضة ضد نظام الأسد إلى حرب طويلة قد تتطور لتصل إلى طهران نفسها.
لكن في المقابل، فإن طهران تعتبر واحدة من أقوى الدول في مجال امتلاك واستخدام قدرات لا تناظرية (Asymmetric Capabilities) ولها خبرة واسعة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود في هذا المجال وفي عدد كبير من الساحات من فلسطين إلى لبنان مروراً بسوريا نفسها والعراق وصولاً حتى إلى بعض دول الخليج العربي واليمن عبر التواجد المباشر أو عبر أذرعها الإقليمية والتي تمكنها من تحويل هذه البلدان إلى ساحات للنزال غير المباشر مع القوى الإقليمية والدولية دون أن تكون مضطرة إلى تعريض أمنها القومي للخطر المباشر أو أن تدفع أثماناً باهظة مقابل ذلك، فالخراب والدمار هو من نصيب هذه البلدان التي تتحول إلى ساحات، والشعبوية بما ينجم عنها من مكاسب يكون من نصيب إيران.
وعلى هذا، فإن إمكانية قيام إيران بعمليات إرهابية في المنطقة سواء عبر فيلق القدس أو أذرعه المنتشرة في العالم العربي تستهدف مصالح واشنطن والغرب أو مصالح الدول الحليفة لها في المنطقة تبقى قائمة، وهي الخيار الأسهل والأنجع في حال كان هناك قرار بالرد على الضربة المنتظرة ضد النظام السوري. أما موقف حزب الله، فهناك الكثير من الكلام عن أنه من الممكن أن يقوم بتوجيه ضربة ضد إسرائيل كرد على الضربة التي سيتلقاها النظام السوري، لكن تحليلا دقيقا للمعطيات المتوافرة تشير إلى أن حزب الله لن يقوم بذلك على الأرجح، ليس لأنه يريد أن يجنب لبنان تداعيات مثل هذا الهجوم، وليس لأنه قرر أن يكون عقلانياً، وليس لأنه حريص على مصير اللبنانيين، بل لأنه وفي اللحظة التي سيقرر فيها فعل ذلك، فإن إسرائيل ستكون جاهزة هذه المرة ليس لتدمير الحزب وحسب وإنما كل لبنان. ناهيك عن أن حزب الله لن يكون عملياً قادراً على خوض حربين في وقت واحد حتى لو كانت لديه النية في فعل ذلك. أضف إلى هذا أن من عاشر حرب 2006 في لبنان، يعلم علم اليقين أن شيئاً لن يثنِ بيئة حزب الله هذه المرة من الثورة عليه حال تعرضها لمثل هذه الضربة لأنها لم تعد قادرة على تحمل المزيد. في عام 2006، استطاع حزب الله أن يشتري سكوت الناقمين من البيئة الشيعية عبر أموال دول الخليج العربي، كما أنه حصل على دعم إيراني مفتوح لتجاوز تداعيات تلك الحرب وإعادة بناء قدراته وسط تأييد شعبي عربي وإسلامي. أما اليوم، فإن حزب الله في أعين الأغلبية الساحقة من العرب والمسلمين لا يتعدى كونه فرعا طائفيا من أفرع الحرس الثوري الإيراني في لبنان وعميل للولي الفقيه، ناهيك عن فقدانه ما تبقى له من شرعية مع دخوله إلى جانب الأسد ضد الشعب السوري، وتعرضه لضربة إسرائيلية في مثل هذه الظروف ستكون قاصمة للظهر ولن يتمكن من العودة معها من جديد. لذلك، وعلى العكس من المتوقع، فإن حزب الله سيحرص على التقرب من إسرائيل لتفادي مثل هذا الاحتكاك، وهو الأمر الذي بدأه منذ عدة أشهر حينما أخذ يسوق لنفسه (للغرب ولإسرائيل) على أنه يخوض حربا ضد من يسميهم «التكفيريين»، في طريقة غير مباشرة للقول «أنا أخوض حربا ضد عدوكم والوحيد القادر على فعل ذلك»، وقد يقوم بتنفيذ بعض العمليات المحدودة عبر أذرع أخرى في الجنوب للتمويه على أنها جماعات إرهابية أو «تكفيرية». باختصار، يبدو أن الحسابات ستدفع معسكر الأسد إلى احتواء مفاعيل هذه الضربة واستغلالها في التأكيد على نظرية المؤامرة والترويج الشعبوي في استغلال الرأي العام العالمي لكسب تعاطفه. عدا عن ذلك فمن المستبعد أن يحصل هناك مواجهة مباشرة؛ لأن المصلحة تقتضي استكمال المسار السابق لما قبل الضربة المحتملة، وهو ما سيتم استئنافه بعدها أيضا إن وقعت.