التدخل العربي في سوريا ممكن وواقعي
07 أكتوبر 2012 , 12:00ص
الإبادة الدائرة لأهلنا السوريين على مرأى الجميع لا تترك لكل من فيه ذرة إنسانية مجالاً للمراوغة عن قول الحق مهما كان الثمن, وحتى يكون القول بهذا الشأن حقاً لابد له من مستقر في النفوس المتحسسة قلباً، وعقلاً وضميرا لإنهاء هذه المأساة الإنسانية, بهذه الروحية تلقى كل عربي مسلم وإنسان شريف دعوة دولة قطر من أعلى المستويات للتدخل العربي باعتبارها قولاً فصلاً لا ريب فيه ليُترجم مشاعرهم وليضع الحجة على الجميع وأولهم العرب في الجمعية العامة كأكبر محفل ممثل لأمم الأرض.
منذ البداية كان واضحاً أن أهلنا السوريين تركوا عُزلاً يخوضون معركة الدفاع عن الأمة في مواجهة كل أعدائها، وكان بديهياً لأي سوي أن تصدر مبكراً دعوات لإنقاذهم بتصورات واقعية ومختلفة، منها ما أخذ في الاعتبار تجارب أزمات عالمية مماثلة وتطورات الموقف في سوريا، كما في جاء مقالات «الحل بتحالف الجمعية الأممية- في مارس الماضي» و «هل سيحسم أصدقاء سوريا الأمر في باريس كالآتي- في مايو» و «نحو ميثاق للدفاع العربي المشترك عن السوريين- في يوليو الماضي» ، ومع تصاعد الضغوط على أصحاب القرار تزامناً ومؤتمر باريس لأصدقاء سوريا للتدخل خارج إطار مجلس الأمن حصل أن انبرى من تحدث باسم العرب ليحول هذه الضغوط إلى الجمعية العامة، ليكرر عنها إدانة مجردة لنظام الأسد ويُفشي بذلك الضغوط الدولية والعربية، بما رفع الحرج عن الحلفاء الدوليين الكبار.
وفي الجمعية العامة نفسها مؤخراً تكمن أهمية الخطاب القطري في أن يُعيد في ذات المكان وصل وزخم الاهتمام الدولي بالمأساة السورية، وفي الزمان الذي لم يُعد فيه للعرب مبرر للتهرب من مسؤولياتهم بعد استنفاذ كل أعذارهم الدبلوماسية دولياً وإقليمياً، وبات المسؤولون منهم أمام الحائط محاطين بافتقاد شعوبهم الثقة بهم، فإما إثبات الذات في سوريا دفاعاً عن الوجود أو العار مصيرهم في الخلود.
الدعوة في الجمعية العامة للتدخل العربي جاءت امتداداً لتعهد قطر أمام أصدقاء سوريا في باريس بالمساهمة في أي جهد حتى لو كان خارج مجلس الأمن لإنقاذ الشعب السوري, ما يؤكد مصداقية الدعوة والتوجه بقدر ما أحيته من أمل في نفوس تواقة لرؤية مواقف رجولية مخلصة باسم هذه الأمة لوقف إبادة البشر والحجر في سوريا قلب العروبة ومنار مشعلها، وأيضاً بقدر ما أفرزته هذه الدعوة جلياً من نفاق المنافقين الذين ما انفكوا خطبا للسوريين داعمين، فيما هم فعلاً للعون مانعين وللتدخل حتى العربي رافضين.
خبرة المتابعة الإعلامية لما جرى إبان تفكك يوغسلافيا وما أثبتته الأحداث الميدانية وكشفته الوثائق المسربة بعد الحرب كانت تؤكد توجيهات بعض أصحاب القرار الدولي للوسطاء والمبعوثين بالمماطلة والتسويف في المفاوضات حتى فرض التجزئة بين القوميات المتآخية في يوغسلافيا وإنهاء وجود مسلمي البوسنة وسط أوروبا، وهذا ما أرى أنه يتكرر في سوريا بغطاء بعض العرب لصالح دوائر ومخططات دولية ولخشيتهم من نجاح الثورة. بصريح القول أن بقاء نظام الأسد يرجع لرفض المقتدرين العرب للتدخل أكثر منه للدعم الإيراني والروسي للنظام، ذلك نظراً لحقيقة أن هذا الدعم وصل أقصاه مادياً وعسكرياً ومعلوماتياً في الإبقاء على النظام بين الحياة والموت لا أكثر، ولن يزيد على ذلك مهما كان، فيما المقتدرون العرب ممتنعون عمداً وليس عن عدم قدرة عن توجيه الضربة القاضية لنظام مهلهل بعد أن شل الثوار قوامه بإمكاناتهم المتواضعة، لذلك تجدهم يبررون بعدم واقعية الدعوة للتدخل العربي. والحقيقة أنه حتى لو كان هذا العذر واقعياً فهو مردود عليهم, لأنهم هم المسؤولون عن أمن الأمة وشعوبها ومقدساتها وحرماتها كما يدعون, فكيف انتهى الأمر بهم وبنى تحت قيادتهم إلى واقع نجد فيه التدخل الإيراني واقعاً حالاً فيما مجرد التفكير بالتدخل العربي غير واقعي عليه من أجل تبيان الحقيقة ووضع النقاط على الحروف دون مراوبة ومراوغة لم يعد يحتملها عقل حتى العربي البسيط مع استمرار نزيف الدم السوري يجب حسم القول بأن التدخل العربي أكثر من واقعي وفقاً للآتي:
- إدخال السلاح النوعي المضاد للدروع والطيران إلى سوريا ممكن وواقعي بنفس واقعية أسلوب ومسار وجغرافية تنفيذ العملية التي تشدقوا بها لإخراج رئيس حكومة الأسد رياض حجاب. وهنا لابد من تساؤل واقعي عن سبب بقاء مخافر ودوريات النظام حتى الآن على الحدود «التي سلكها حجاب» مع أن كل المعابر حتى مع العراق سقطت بيد الثوار، هذا إن لم يكن السبب يرجع لجهد مشترك ومستتر مع النظام لحماية مثلث الحدود المجاور مع الكيان الصهيوني.
- بنفس هذه الطريقة والطرق التي يخرج منها اللاجئون يمكن إدخال قوات خاصة رسمية متطوعة من دول عربية للإشراف على هذا السلاح واستخدامه بما يستجيب لتبريرات هذه الدول وحلفائها الكبار بشأن المخاوف من تسرب السلاح لـ»متطرفين» ، كما أنه يمكن لهذه القوات زيادة فاعلية الثوار السوريين تنظيماً وتحركاً، وضمان تخزين الأسلحة المحرمة وتأمين الوضع بعد سقوط النظام.
- إن كان الدول العربية قادرة كما تدعي على حماية أجوائها، فيمكن إذن للطيران الأردني المصري الليبي والتونسي وحتى الخليجي إدارة منطقة حظر على طيران نظام قاتل فاقد الشرعية بكل القيم والأديان لمنعه بكل رجولة وشجاعة عن قصف إبادي لمدنيين أشقاء عزل بكل حقد وكره حتى بالأسلحة العنقودية وبراميل التي إن تي العشوائية التفجير، وهذا ما لا نعتقد أن قادة عسكريين شرفاء من طينة بسطاء الشعب العربي كالجنرالين السيسي في مصر وبن عمار في تونس يمكن أن يسكتا عليه, وهما اللذان سيسطر لهما العرب والتأريخ مواقفهما المشرفة تجاه ثورات شعبيها المباركة بعونه تعالى, هذا بعد أن أبدى الرئيس التونسي دعماً واضحاً للتدخل الإنساني العربي, فيما الرئيس المصري سيكون أقرب إلى ذلك, بعد أن يتيقن بأن مبادرة الرباعية لن تزيد عن تفكير القذافي وجلود قبل ثلاثة عقود بأن مساندة الفكر الصفوي في إيران سيجعله حليفاً للأمة, والنتيجة نراها الآن في دعم إيران لإبادة الشعب السوري وللعراقيين حتى بعد زوال النظام السابق ، ولا يليق بعظمة مصر أن تجرب ما تم تجريبه.
- الدول التي تخشى المواجهة مع إيران يمكنها تحمل التكلفة المالية لهذا الجهد العربي الرسمي المشترك، هذا إن صدقت النوايا, بما يُعيد للأمة هيبتها ويضع حداً للتدخلات الإقليمية.
- غاية في الأهمية أن توجه دعوة رسمية لـ»قمة عربية حتى دون توافق مسبق، باسم قمة إنقاذ الشعب السوري من الإبادة»، فليتردد عندها المنافقون ولينكشفوا أمام الشعوب.
- من أجل تفعيل هذا الجهد العربي الرسمي الواقعي لابد من تحركات جماهيرية شعبية منسقة في «جمعة لإنقاذ الأشقاء السوريين» في كل ميادين العواصم والمدن العربية، بما يتطلبه ذلك من دور أساسي لأصحاب الفكر والثقافة والفن وعلماء الدين وشيوخ القبائل ووجهاء المجتمع لحشد الجماهير، ويضع إيران وفكرها «الممانع» وكل حلفاء الأسد في مواجهة مع عامة العرب والمسلمين.