


عدد المقالات 3
الحق أن العواقب المترتبة على هذا التمزق في العلاقات الأميركية الصينية يتجاوز الاقتصاد كثيراً. فنحن ربما نكون إزاء تحوّل حاسم في ميزان القوى العالمي يؤذن بحرب باردة جديدة. ففي ظل إدارة ترمب التي ترفع شعار «أميركا أولاً»، تحوّلت الولايات المتحدة إلى الداخل منغلقة على ذاتها ومُـظهِرة الازدراء لمن كانوا حلفاء مخلصين لها ذات يوم، فسحبت الدعم الذي كانت تقدمه لمؤسسات متعددة الأطراف رئيسية (بما في ذلك منظمة التجارة العالمية، وفي خضم الجائحة، منظمة الصحة العالمية)، وتبنت سياسات الحماية التجارية. في الوقت ذاته، بدأت الصين تشغل الفراغ، بشكل مقصود جزئياً (من خلال مبادرة الحزام والطريق، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية، والشحن الجوي والإمدادات الطبية للبلدان التي خربتها الجائحة في أوروبا وأماكن أخرى)، ولكن أيضاً بحكم الأمر الواقع، مع تقهقر الولايات المتحدة. برغم أن هذه التحولات الهائلة من شأنها أن تجعل أغلب الأميركيين في حال أسوأ، يبدو أن الولايات المتحدة تهزّ أكتاف عدم الاكتراث جماعياً. لقد ترددت أصداء شعار «أميركا أولاً» في بيئة من التحفّظ الواسع النطاق على العولمة . ويشعر عدد كبير من الأميركيين بالغضب إزاء اتفاقيات وممارسات تجارية غير عادلة مزعومة، والاستياء والسخط على التمويل الأميركي غير المتكافئ ظاهرياً لمؤسسات مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، فضلاً عن شكوكهم في أن تكون المظلة الأمنية الأميركية في أوروبا وآسيا وأماكن أخرى من العالم تشجّع ركاب المجان وغيرهم على عدم سداد حصصهم العادلة. من عجيب المفارقات هنا أن هذا الانغلاق على الذات يأتي على وجه الضبط في اللحظة التي من المرجح أن تخضع عندها المدخرات المحلية الأميركية الكاسدة بالفعل لضغوط هائلة بسبب انفجار العجز الحكومي المرتبط بالجائحة. وهذا لا يعني فقط تعميق عجز الحساب الجاري والعجز التجاري (عدو أجندة «أميركا أولاً»)، بل ويشكل أيضاً تحدياً كبيراً للنمو الاقتصادي الأبعد أمداً. يكاد يكون من المؤكد أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في أميركا، والتي بلغت 79% في عام 2019، ستتجاوز الآن الرقم القياسي الذي بلغ 106% في نهاية الحرب العالمية الثانية. ومع تثبيت أسعار الفائدة عند مستوى الصِفر، يبدو أن أحداً لا يبالي. لكن هذه هي المشكلة على وجه التحديد: فلن تظل أسعار الفائدة عند مستوى الصِفر إلى الأبد، وسوف يتلاشى النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة المثقلة بالديون تحت أقل ارتفاع طفيف في تكاليف الاقتراض. تُـرى هل من الممكن إنقاذ العلاقة المقطوعة بين الولايات المتحدة والصين؟ من عجيب المفارقات أن جائحة «كوفيد – 19»، توفر فرصة خارجية. يتعين على القادة في كل من البلدين أن يسارعوا إلى إنهاء لعبة تبادل اللوم، والبدء في استعادة الثقة. ولتحقيق هذه الغاية، يجب أن يصارحوا العالم بشأن ما حدث حقاً في الأيام الأولى من اندلاع الجائحة في شهر ديسمبر بالنسبة للصين، ويناير وفبراير بالنسبة للولايات المتحدة. إن لحظتنا الحالية ليست الوقت المناسب لشعور زائف بالفخر أو الوعيد القومي. في أغلب الأحيان يظهر القادة الحقيقيون -أو يُكْـشَف عنهم- في أكثر لحظات التاريخ حلكة. فهل فات الأوان حقاً لأن يدرك ترمب والرئيس الصيني شي جين بينج حجم ما أصبح على المحك وأن يغتنما الفرصة؟
لم يكن من المحتّم أن تكون هذه هي النهاية، ولكن الآن سَبَق السيف العَذَل. بعد 48 عاماً من التقدّم الدؤوب المضني، أصبحنا أمام مزق كبير في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين. إنها لنتيجة مأساوية لكلا...
ستكون لعلماء الأوبئة الكلمة الأخيرة فيما يتصل بالفصل الختامي في قصة فيروس كورونا، والتأثير الاقتصادي الذي قد يخلفه، وفي حين أن هذا العلم بعيد تماماً عن مجال خبرتي، فإنني أتصور أن سلالة فيروس كورونا الحالية...