alsharq

الدكتور خالد يوسف الملا

عدد المقالات 1

وترجل فارس العمل الشبابي والكشفي في قطر

03 أغسطس 2022 , 12:05ص

رغم ممارستي للكتابة والتأليف منذ سنوات، إلا أنني وجدت صعوبة بالغة في كتابة هذه الكلمات؛ لأن الحدث جلل لا توفيه المقالات حقه، ويقف التعبير عاجزاً عن بلوغ مداه، ولأنه أيضا ليس من عادتي تأبين أصدقاء قضوا نَحْبهم بكلمة أو شهادة تستذكر مناقبهم وتستدعي ذكريات الزمالة معهم، فهم في نفسي أقرب من ذلك وأكثف حضورا في الروح والوجدان، وإنما أحرص على أن يظلوا حاضرين في ثنايا الدعاء والترحم عليهم. وتضاعفت الصعوبة اليوم عليّ لأن الراحل الذي غادرنا والفارس الذي ترجل عنا أخ عزيز وصديق استثنائي تعددت اهتماماته وتنوعت مشاغله، فكانت الإحاطة بجميع ميزاته في مجال واحد من مجالات عمله واشتغاله صعبة المنال، أحرى أن نحيط بجوانب تجربته الكلية الممتدة في العمل الشبابي والتطوعي والكشفي والثقافي والرياضي. فالأستاذ عبدالله محمود المحمود الذي شاءت إرادة الله عز وجل أن يرحل عن حياتنا الفانية مأسوفا عليه يوم الجمعة في ختام العام الهجري 1443هـ لم يكن مجرد رقم بسيط من الأرقام في متوالية الأصدقاء والزملاء والمعارف الذين تربطنا بهم الحياة في دورتها المتواصلة، وإنما كان معادلة حسابية منتجة لمعانٍ جميلة جمعت بين إخلاص المجتهدين وروح الباذلين وعطاء المضحين وبذل الصادقين، مع المواطنة الحقيقية المجردة من الأنا والمتعالية على المصالح الذاتية نحو خدمة أهداف وطنية أسمى، والتضحية في سبيل النهوض بقطاعات محورية، مهمتها الأساسية الأخذ بأيدي شباب المجتمع نحو الإيجابية وثقافة التطوع والعطاء والبذل والتعاون والإيثار، وهي معان جسدتها سيرته هو وتجربته المميزة. علاقتي بالفقيد عبدالله المحمود رحمه الله على مستوى العمل، نيَّفت على الأربعين عاما، وطوال هذه العقود الأربعة لم أسمع منه تأففا من أحد أو تملصا من مهمة أسندت إليه، أو استئثارا بشيء من متاع الحياة الدنيا لنفسه، بل كان يؤثر غيره بالمال والمناصب وغيرهما، وكان في المناقشات والاجتماعات يعبر عن رأيه ومواقفه بصراحة وصلابة مشفوعتين بابتسامة طبيعية لا تعرف الاصطناع ولا التلون، وقد خبرت منه هذه الميزات الخُلقية والإدارية في الوطن وخارجه خلال سفرنا معا في رحلات عمل عديدة في الوطن العربي الكبير، ومن أقصى الشرق من كوريا والصين إلى أقصى الغرب في الولايات المتحدة الأمريكية والأرجنتين، فكان نعم الرفيق الصبور على متاعب السفر في خدمة الوطن والمجتمع، والصديق المواتي برفقٍ وحكمةٍ لأصدقائه وإخوانه وزملائه في العمل. وأشهد له حينما كنت رئيسا لجمعية بيوت الشباب القطرية، بأنه أسهم إسهاما فعالا في التطور والنقلة النوعية التي عرفتها بيوت الشباب على المستوى الخليجي والعربي؛ حيث أبلى بلاء حسنا، بفضل خبرته الإدارية وعلاقاته الطيبة بمكونات العمل العربي والدولي، في حصولي على رئاسة الاتحاد العربي لبيوت الشباب خلال دورة الخرطوم، كما كانت له اليد الطولى في نشر السياحة الشبابية وثقافة التخييم والمعسكرات، حيث كان رئيس عشيرة الدوحة الكشفية التي اتخذت بيوت الشباب مقرا دائما لها في ذلك الوقت، وبنفس العزيمة والتطلع اشتغل إلى جانبي حين ترأست مركز قطر للعمل التطوعي بهيئة الشباب والرياضة عام 2000، فقد كان أهم أعضاء مجلس الإدارة وشريكا أساسيا في وضع أول لبنة للعمل التطوعي ونشر ثقافة وأهمية التطوع بقطر، وفي رسم تصوراته ورؤاه التي ما تزال المعتمد والمرجع في هذا المجال الذي حققت فيه قطر سمعة كبيرة على المستوى الإقليمي والدولي. وكالنحلة من زهرة إلى زهرة، كانت حركات الراحل؛ فما حل في مؤسسة إلا وترك فيها بصمته الخالدة والمميزة بالإتقان والعمل الجاد، فهو أحد الأركان المؤسسين للنادي العربي الرياضي، وظل عضوا فاعلا في مكتبه وإدارته سنوات عديدة، وله الفضل في إدخال العمل الثقافي والكشفي ضمن اللجان الوظيفية للنادي وظل يشغل مهمة فيه بنفس الهمة المتوثبة والروح الإيجابية العالية رغم مضاعفات المرض إلى أن وافته المنية. أما العمل الكشفي فيُعد القيادي عبدالله أيقونته، وقد شهدت الجمعية القطرية للكشافة والمرشدات حين كان مفوضا عاما لها ازدهارا كبيرا، حيث أعطاها دينامية خاصة، ووضع لها استراتيجية متطورة وفق مفهوم حديث للعمل الكشفي يساير مستجدات الحياة، مما عزز مكانتها عربيا ودوليا بشهادة قادة ومسؤولي الحركة الكشفية العربية والعالمية. ولعل تكريمه من طرف الأمانة العامة للمنظمة الكشفية العربية بمنحه وسام قلادة الكشاف العربي أصدق تعبير، وأجل اعتراف بدوره الريادي في تطوير العمل الكشفي. إن رحيل الرائد والمربي عبدالله المحمود لهو خسارة فادحة للعمل الكشفي والتطوعي والشبابي والإدارة الرياضية، وحري بالأوصياء على هذه القطاعات والمسؤولين فيها أن يستلهموا تجربته الرائدة ليقتدي بها الشباب العاملون في هذه المجالات، وبداية ذلك الاستلهام تكون بتوثيق هذه التجربة في برامج وكتب، وهو المشروع الذي كان الراحل بصدد إعداده كما ذكر لي قبل رحيله مع الأخوين محمد اليافعي والصحفي والكاتب سعيد دهري، قبل أن يتأجل بسبب مرضه وسفره للعلاج خارج قطر. رحمك الله أيها الرجل الحليم النبيل، وجزاك خيرا عن أعمال الخير والبناء التي قدمتها لوطنك وأمتك، نأسف لفراقك ونحزن على رحيلك، ولا نقول إلا ما يرضي خالقنا إنا لله وإنا إليه راجعون.