


عدد المقالات 4
خلال أزمة اليورو، عمل اليساريون الشعبويون على تطوير «استراتيجية مستعرضة»، تتمثل في اختصار الطريق عبر الانقسامات الأيديولوجية التقليدية، على افتراض أن المواطنين منفتحون على إلقاء اللوم على «الأوليجاركية» المالية عن محنتهم، وكانت الفكرة تتلخص في اجتذاب ليس اليساريين فحسب، بل وأيضاً أنصار الأحزاب الشعبوية اليمينية، من خلال انتحال موقف يساري في الممارسة العملية، وإن لم يكن كذلك بالاسم، وعلى هذا، كان الأمل أن يتوقف الناخبون عن إلقاء اللوم عن مشاكلهم على المهاجرين، إذا جرى توجيه أصابع الاتهام إلى رأسمالية التمويل على أنها الجاني الحقيقي. على سبيل المثال، في الانتخابات الرئاسية الفرنسية في عام 2017، تخلى جان لوك ميلينشون من حزب فرنسا الأبيّة عن خطابه العام المعتاد الأممي الذي يدور حول الطبقية، وتبنى لغة «الشعب»، وفي مسيراته الانتخابية، اختفت الرايات الحمر وظهر العلم الفرنسي، وحل النشيد الوطني الفرنسي محل نشيد الأممية الاشتراكي، ولكن في حين كان أداء ميلينشون طيباً في استطلاعات الرأي، وكاد يصل إلى الجولة الثانية، يلاحظ عالِم الاجتماع الفرنسي إيريك فاسين، أن حزب فرنسا الأبيّة لم ينتزع سوى 3% فقط من ناخبي الجبهة الوطنية. الواقع أن ميلينشون ليس اليساري الأوروبي الوحيد، الذي خلص إلى أن «الاستراتيجية المستعرضة» تتطلب الانحراف نحو القومية، فقد شكّلت سارا فاكنكنيخت من اليسار في ألمانيا حركة، الهدف منها توحيد أتباع مختلف أحزاب اليسار، وفي الوقت ذاته اجتذاب الناخبين من حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، ولكن حتى الآن كانت السمة المميزة الوحيدة لحملتها بعنوان «انهضوا!» هي معارضتها للحدود المفتوحة. وقد تفضي هذه الاستراتيجية إلى نتائج عكسية بسهولة، بل ومن المرجح أن تؤدي إلى تعزيز موقف الشعبويين اليمينيين من خلال قبول فرضيتهم بشأن سياسات الهجرة، مع إقصاء اليسار دولي النزعة في الوقت ذاته، ويبدو أن هذه هي النتيجة نفسها في إيطاليا، حيث يقود حزب الرابطة اليميني المتطرف، وليس شريكته الكبرى في الائتلاف حركة الخمس نجوم، أجندة الحكومة. وكما أشار فاسين، فبدلاً من استهداف العمال الذين قد يكون انجذابهم إلى الشعبويين اليمينيين مدفوعاً بمعارضة الرأسمالية الجامحة أو لا يكون، ينبغي لليساريين أن يركّزوا على الممتنعين عن المشاركة في الانتخابات، والذين يمكن إعادتهم إلى صناديق الاقتراع، ذلك أنهم ربما يبحثون عن سياسات مستوحاة من مُثُل التضامن الاجتماعي وليس القومية العائدة إلى الساحة من جديد. لقد نجح اليسار عندما عرض بدائل واضحة فيما يتصل بمسائل مثل سياسة الإسكان والتنظيم المالي، وليس عندما استحضر «الشعب» -ناهيك عن «الأمة»- ولنتأمل هنا على سبيل المثال جيريمي كوربين زعيم حزب العمال البريطاني، وبيرني ساندرز النائب المستقل الذي قاد حملة أوليّة ديمقراطية مفاجئة ضد هيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية عام 2016، والذي يعتزم خوض الانتخابات مرة أخرى في عام 2020، الواقع أن ما تقترحه هذه الأرقام ليس «الاشتراكية»، بل تشير إلى خليط ديمقراطي اجتماعي قد يجتذب كل من سئم من البيبسي والكوكاكولا، وكل الأشكال الـ «نيو ليبرالية» الفوّارة الأخرى المعروضة.
يستطيع المرء أن يتفق مع تشخيص اليساريين الشعبويين دون أن يقبل ادعاءهم الرئيسي الثاني: وهو أن أفضل استجابة لأزمة التمثيل اليوم، تتلخص في تأطير السياسة في هيئة نزاع بين المواطنين من جميع الطوائف، ومجموعة صغيرة...
مع تفاقم أزمة فنزويلا، يشير المحافظون في الولايات المتحدة وغيرها بابتهاج إلى كارثة التشافيزية للتحذير من مخاطر «الاشتراكية»، ونظراً لتصدع حزب بوديموس اليساري في إسبانيا، وخسارة حزب سيريزا في اليونان لشعبيته بشكل مطرد منذ عام...
يبدو أن نتائج الانتخابات في إيطاليا، حيث تصدّر الشعبويون والأحزاب اليمينية المتطرفة صناديق الاقتراع، في أعقاب كارثة الاستفتاء لصالح خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، ثم فاجعة انتخاب دونالد ترمب رئيساً للولايات المتحدة، سوف تُفضي...