الخميس 14 ذو القعدة / 24 يونيو 2021
 / 
12:41 ص بتوقيت الدوحة

تجارب عالمية ناجحة في محاربة الفساد  

د. محمد بن عوض المشيخي

 

الفساد المالي من أخطر الأمراض الفتاكة التي تواجه شعوب العالم بشكلٍ عام والدول النامية على وجه الخصوص، فالطبقة الفاسدة من المسؤولين إذا وُجِدت في دولةٍ من الدول تعمل على تدمير الاقتصاد ونهب ثروات الأوطان بلا رحمة، وتُحوِّل أفراد المجتمع إلى فقراء ومتسولين في وطنهم، وقد يضطر البعض إلى الهجرة والاغتراب في أصقاع الأرض بحثًا عن مصدر رزقٍ خارج الوطن، كما أن الفساد يساعد على نشر الجريمة وانعدام الأمن والأمان، وارتفاع الأسعار، والتمرد، وعدم الاستقرار، وهجرة الأموال إلى الخارج.
 والاعتراف بوجود الفساد بصراحة وشفافية، هو أول الخطوات الصحيحة لمحاربته ومحاولة معالجته، ثم اجتثاثه، والتخلص منه من أعلى الهرم حتى أسفل القاعدة العريضة، لكون هذه الآفة المدمرة كالنار في الهشيم، لا تُبقي ولا تذر. 
وفي واقع الأمر لا توجد دولة فقيرة في هذا العالم، ولكن يوجد فاسدون تولوا إدارة بعض الدول التي تُنعَت بأنها فقيرة، وقد ساعدت هذه الظروف هؤلاء المسؤولين على نهب الموارد الطبيعية وتحويلها إلى البنوك السويسرية والأمريكية، بعد أن اكتملت قصورهم في الوطن الأم، دون حسيب أو رقيب، وهنا تكمن الكارثة.
ووسط هذا العالم الذي تسوده الأنانية المفرطة، تظهر في الأفق تجارب ناجحة من قارتَيْ آسيا وأفريقيا، جديرة بدراستها والاطلاع عليها، ولعل أولى هذه النماذج هي (سنغافورة)، هذه الجزيرة الصغيرة التي استقلت عن بريطانيا في مطلع ستينيات القرن الماضي، وكانت دولةً فاشلة بكل المقاييس، إذ كانت تعج بالمستنقعات المائية الملوثة في شوارعها، وتنعدم فيها البنى التحتية الحديثة، كالطرق، وشبكات الصرف الصحي، فضلًا عن الفساد المالي، وانتشار الرشاوي في السلك القضائي، وكذلك انعدام الموارد الطبيعية، إذ إن معظم السكان الذين ينحدرون من أعراق مختلفة يعانون من الفقر والأمية، وتعود قصة نجاح سنغافورة إلى (لي كوان يو) الذي تولى رئاسة الوزراء عام 1965م، ويلقب بالأب الروحي للأمة، إذ قام منذ الوهلة الأولى لرئاسته بالعمل على تطوير التعليم، وإطلاق وسائل إعلامية لمراقبة السلطة التنفيذية للكشف عن شبكات الفساد عبر الصفحات الأولى لهذه الصحف، ومع مرور الأيام تحولت هذه الجزيرة الصغيرة إلى واحدة  من أهم المراكز التجارية والصناعية على مستوى العالم، حيث أصبح دخل الفرد السنوي 60 ألف دولار، وقد كسبت سنغافورة حربها على الفساد بتشكيل هيئة مستقلة لمحاربته، وكان أول مَنْ مَثُلَ أمام هذه الهيئة، هو رئيس الوزراء نفسه، والذي كشف ذمته المالية شخصيًّا، وكذلك كافة أفراد أسرته؛ لكي يعطي درسًا للآخرين من أعضاء الحكومة في محاسبة الفساد.
 أما التجربة الثانية فأتت من قلب القارة السمراء التي ينخر فيها الفساد، إذ كانت جمهورية (روندا) لا تملك ثروات طبيعية، ولا منفذًا على البحر،  ولكن تهيأ لها قائدٌ أمين عمل جاهدًا على اجتثاث الفساد والمفسدين، ويُدعَى (بول كاغامه) الذي تولى الرئاسة في مطلع هذه الألفية، فقد أصدر قانونًا إجباريًّا يتم تطبيقه ميدانيًّا على خمسة آلاف مسؤول رواندي وعلائلاتهم، بما فيهم رئيس الجمهورية نفسه؛ وذلك بهدف الكشف عن حساباتهم البنكية وأملاكهم في الداخل والخارج، وتطبيق مبدأ من أين لك هذا؟ وبالفعل ذهب إلى حبل المشنقة بعض المسؤولين الذين نهبوا المال العام، ومن المفارقات العجيبة أن رواندا خرجت من أسوأ حرب أهلية في التاريخ؛ قتل فيها مليون مواطن رواندي في تسعينيات القرن الماضي. ولكنها نهضت من مستنقع الإبادة الجماعية لتتحول إلى أفضل سوق مفتوح في أفريقيا، وبنموٍّ سنوي تجاوز أفضل الاقتصاديات في العالم، مسجلًا بذلك أكثر من ٨ %، كما أنها أطلقت قمرًا صناعيًّا في مجال الاتصالات؛ لتقديم خدمات الإنترنت مجانًا لكل المواطنين في هذا البلد الأفريقي الذي أصبح حديث العالم، ونموذجًا  يُحتذَى به في العالم النامي. 
عمانيًّا، حققت السلطنة مركزًا عالميًّا، متقدمةً بسبع مراكز في مقياس ما يُعرَف بمدركات الفساد للعام الماضي 2020م الصادر يوم الخميس الماضي عن منظمة الشفافية الدولية، محتلةً الترتيب التاسع والأربعين عالميًّا من بين ١٨٠ دولة، خضعت للتقييم في هذا المؤشر، وفي المركز الثالث، عربيًّا وخليجيًّا، بعد دولتَيْ الإمارات العربية المتحدة وقطر، ويعد مقياس مؤشرات مدركات الفساد واحدًا من المعايير العالمية ذات الثقة والمصداقية، إذ يعتمد على ١٣ تقييمًا ومسحًا يجريها المختصون سنويًّا، وكذلك على التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية، كالبنك الدولي، وغيرها من التقارير التي تهتم بالنزاهة والشفافية، حيث تعتمد منظمة الشفافية العالمية في تقييمها على مقياس الدرجات من (٠) إلى(١٠٠).
 إن تقدم السلطنة سبع درجات في القطاع العام، وقطاع الأعمال التجارية، يعد خطوةً جديرةً بالتقدير والاحترام نحو القضاء على الفساد بكل أنواعه، كما يعد نتيجةً لما وعد به جلالة السلطان هيثم حفظه الله في خطابه الثاني في فبراير، والثالث في نوفمبر من العام المنصرم، حول عزم حكومة جلالته على محاربة الفساد، وترسيخ دولة المؤسسات والقانون على هذه الأرض الطيبة.
ويجب التأكيد هنا على أن محاربة الفساد والقضاء على أسبابه، لا يمكن أن يتحقق بالنوايا الحسنة للمسؤولين، فالنفس أمارةٌ بالسوء، بل يجب إطلاق سلطة الإعلام، وخاصةً الصحافة المستقلة؛ للقيام بدورها الرقابي المعهود في مراقبة أداء الوزراء ووكلاء الوزارات، الذين يخدمون الشعب. وعلى الرغم من مرور خمسين سنة على تأسيس الدولة الحديثة، إلا أنه لا يوجد قانون للإعلام يتوافق مع هذه المرحلة الهامة، ويُمكِّن الصحفي من الحصول على المعلومات من مصادرها، فضلًا عن عدم وجود مواد قانونية واضحة توفر حمايةً للإعلاميين العمانيين. 
ومن هنا لا يمكن للإعلام كسلطة رابعة أن يتناغم مع الأحداث ويقوم بدوره الرقابي إلا في ظل وجود الجناح الآخر للحرية والمراقبة، والمتمثل بمجلس الشورى، هذا المجلس الذي أصبح ناضجًا، وتجاوزت تجربته البرلمانية عقودًا ثلاثة، وعلى الرغم من عدم وجود تعاون كامل بينه وبين السلطة التنفيذية طوال العقود الثلاثة الماضية، فإن دوره الرقابي ومناقشته الجادة للكثير من الأطروحات المقدمة؛ قد ساعد على تراجع الفساد المالي في السلطنة. بل أصبح المجلس هو الخزان الذي يرفد الجهاز التنفيذي للدولة بخبرات تتولى المناصب التنفيذية. 
 صحيح أن هناك من يعتقد أن هذه المناصب العليا تُخصَّص في الأساس لبعض أعضاء المجلس الموالين للحكومة فقط، والذين يوصفون بالمعتدلين عند مناقشة بيانات الوزراء أمام المجلس، أما الأعضاء الذين يناقشون الموضوعات بشفافية وصراحة، فلا يحظون بفرص متساوية كالذين يمسكون العصا من المنتصف عند مواجهه الوزراء.
وفي الختام، يجب التأكيد على أن دولة النزاهة والمحاسبة، لا يمكن لها أن تتحقق دون وجود مراقبة من جهاتٍ مستقلة عن الحكومة، وتتمتع بإمكاناتٍ عالية من الخبرة والمصداقية، كسلطتَيْ الإعلام الحر والبرلمان اللذين يمثلان المجتمع، فلا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن تراقب الحكومة نفسها بنفسها فقط.