الثلاثاء 14 صفر / 21 سبتمبر 2021
 / 
01:56 ص بتوقيت الدوحة

محمد سكَّر.. شيخ مدرسة الإقراء بدمشق

عبد الله سعد

الخميس 23 يونيو 2016
هو عَلَم من أعلام القرآن الكريم، وشيخ مدرسة في الإقراء تميزت بالإتقان والتحقيق والضبط في تلاوة القرآن الكريم وتعلّمه، وشيخ من شيوخ القراءات العشر، ألا وهو شيخنا الحسيب النسيب الشريف الفقيه القارئ الجامع المقرئ الشيخ محمد بن طه سكر الصيادي الرفاعي الحسيني أبو هشام، كان مديرا وإماما في جامع الشيخ محيي الدين بن عربي، وكان يعمل تاجرا في سوق الخياطين.
ولد الشيخ محمد سكر في دمشق، في حي العفيف بمنطقة الصالحية سنة 1340هـ الموافق 1922م لأبوين صالحين، وتوفي والده وهو في الخامسة من عمره، فنشأ يتيما برعاية والدته الكريمة التي وهبته أحسن ما عندها، وهو كتاب الله تعالى، الذي حفَّظته إياه منذ نعومة أظفاره، وهو في سن العاشرة من العمر، وختمه في الخامسة عشرة ، وكان أصغر إخوته، وقد حضر الشيخ الصلاة على والده في جامع الشيخ محيي الدين فأحبَّ المسجد من وقتها.
دراسته
درس الشيخ رحمه الله في المدرسة الكامليَّة حتى تخرّج فيها، وكان ذكيا نبيها،
وحضر الشيخ دروس الشيخ علي التكريتي فقرأ
عليه بعض العلوم، ككتاب «مشكاة المصابيح»
للتبريزي في الحديث. وقرأ
على الشيخ صالح العقاد (الشافعي الصغير) الفقه الشافعي.
سبب حفظه للقرآن الكريم
كان سببَ حفظه للقرآن الكريم الحديثُ الذي سمعه من الشيخ علي التكريتي (ت1361) في «كتاب مشكاة المصابيح» عن فضل القرآن، فقامت والدته بتحفيظه القرآن الكريم، فأتمّ حفظه وهو في الخامسة عشرة من عمره.
وعكف الشيخ منذ صغره على حلقات العلم، فقد ذهب الشيخ إلى الجامع الأموي لحضور صلاة التراويح بجزء كامل كل يوم خلف الشيخ ياسين الجويجاتي (ت1384) في مشهد الحسين، فسأله الشيخ ياسين عن سبب حضوره فقال: لأُمكّن حفظي، فسمع قراءته، ووجّهه إلى الشيخ محمود فائز الدير عطاني في جامع التوبة ليقرأ عليه ختمة بالتجويد والإتقان، فقرأ على الشيخ محمود فايز الدير عطاني ختمة كاملة برواية حفص عن عاصم، وكان خلال هذه الختمة يحفظ متون القراءات، فما إن ختم تلك الرواية حتى أسمعه الشاطبية والدرة كاملتين، وشرع في الإفراد لكل راوٍ ختمةً كاملة، فقرأ نحو عشرين ختمة متنوعة الروايات، ثم شرع بالجمع الكبير، الذي انتهى منه في سنّ الخامسة عشرة.
وكان خلال ذلك يقوم الشيخ الدير عطاني بالاستبيان منه عن «مواطن الشاهد»، وتلك القراءة من الشاطبية أو الدرة، أو يقوم بإثارة مسألة نحوية وغيرها من المسائل ذات الأهمية في هذا المجال.
منهجه في الإقراء
كان الشيخ سكر متميِّزا في الضبط والإقراء والتدقيق، فكان يُقرئ المبتدئ معه الفاتحة حتى يُتقنها، ثم يشرع بقراءة جزء «عمّ» من آخره إلى أوله، فيتمرّن الطالب على القراءة المجوّدة، ثم يبدأ من الأول، ويلقي أحكام التجويد ويصحّحها على الطالب دون تجزئة لها؛ بل جملة واحدة، لا يترك له شيئا، وإن استدعى الأمر إعادة شيء من ذلك أعاده، حتى يتقن القراءة. وعندما
يدخل عليه الطالب للمرّة الأولى يملي عليه الشيخ جميع
ما تتطلبه منه القراءة من شروط، كالالتزام بالأوقات والآداب والمحافظة على أحكام
التجويد وغير ذلك. ثم إذا انتهى من إتقان جزء «عمَّ» شرع بقراءة القرآن الكريم من أوله، فمنهم مَنْ يُكرمه الله تعالى فيتم القراءة ويختم، ومنهم من تقصر همَّته عن ذلك فيتوقف عن القراءة، ومنهم من يكرمه الله تعالى فيجمع عليه القراءات العشر. وكان يبدأ مجلس الإقراء بمن يجمع القراءات أولا ثم بمن جاء أولا.
دروسه
كان الشيخ رحمه الله تعالى يُقرئ بشكل أساسي في جامع الشيخ محيي الدين بعد صلاة الفجر وبين المغرب والعشاء كل يوم، ما عدا الثلاثاء، فكان يحضر بعد الفجر مجلس القرّاء، وبعد المغرب جلسة الإقراء التي أسسها الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت رحمه الله، يحضرها التُّجَّار وبعض منهم من الحفظة، وما زالت قائمة إلى الآن. وانضم مع قرينه الشيخ أبي الحسن الكردي إلى مجموعة القرّاء الذين كانوا تحت إشراف الدكتور سعيد الحلواني، فأقاموا جلسة للإقراء يحصل بها مدارسة القرآن الكريم ووجوهه ورواياته، عرفت بمجلس القرّاء، الذي كان يضم أيضا كلا من الشيخ حسين خطاب، والشيخ كريم راجح، والشيخ عبد الرزاق الحلبي، والشيخ خليل هبا، والشيخ بكري الطرابيشي صاحب أعلى سند في العالم، والشيخ شكري اللحفي.
وكانت هناك مجالس أخرى للشيخ للإقراء، فأقرأ في منزله في حي العفيف، وفي مسجد الخياطين، وفي مسجد نور الدين الشهيد، وفي جامع التوبة، وفي جامع أبي النور. فكان وقت الشيخ مشغولا بالإقراء صباحا ومساء، وفي كل مكان حلّ فيه أو ارتحل سفرا وحضرا. وكان للشيخ أيضا درس في التفسير، ودرس في الفقه في جامع الشيخ محيي الدين، وكذلك له درس في التجويد وفي شرح الشاطبية.
تلاميذه
تخرّج على يديه عدد كبير من الحفّاظ المتقنين والحافظات المتقنات، ومنهم أهل بيته، فلم ينشغل عنهم، فقرأ عليه أولاده وأجاز بعضهم، ووجّه ابنيه هشاما وطه للقراءة على الشيخ أبي الحسن فأجيزا منه. وممن قرؤوا عليه القراءات العشر: الشيخ عمر ريحانة رحمه الله تعالى، والشيخ الدكتور محمد سامر النص (صهره)، والشيخ الدكتور أحمد تقي الدين، والشيخ الدكتور عادل أبو شعر، والشيخ ماهر المنجد،
والشيخ خالد عبد السلام بركات، والشيخ محمد أرنبة، والشيخ الدكتور محمد خالد العلبي، والشيخ أنس الهبري، والشيخ محمود المقدم، والشيخ بشار عيتاني، والشيخ عزت الخجا.
صفاته وأخلاقه
- كان وقورا، يتلألأ من وجهه النور، يهابه من يراه، ويأنس به من يجالسه، كان لطيفا، حسن المعشر، متواضعا مع الكبير والصغير.
- كان شديد الأدب والاحترام مع العلماء فلا يرضى أن يتكلم أحد بانتقاد لأحد العلماء.
- كان يقول عن طلابه: قرأ معنا فلان، ولا يقول: قرأ علينا.
- كان يخاطب تلاميذه بأدب واحترام فيقول: الشيخ فلان، ولا يناديه باسمه، وكان يقول لطلابه: جزاكم الله خيرا، فإنكم إن لم تقرؤوا معنا فمع مَنْ سنقرأ؟
- كان لا يتغيب عن دروسه إلا في حال المرض الشديد أو السفر، وإذا تغيب يوكل غيره بالإمامة والإقراء. وكان شديد الحرص على الوقت، فلا يتأخر، ولا يرضى لأحد أن يأتي متأخرا.
- كان شديد الاهتمام
والتعظيم لكتاب الله تعالى وتعليمه، ولا يرى فضلا لأيِّ علم على القرآن.
- كان لا يتقاضى أي راتب لقاء إقرائه، ولم يتقاضَ أي راتب من الأوقاف، ويقول: إنه ليس بحاجة.
- كانت لا تأخذه في الله لومة لائم، شديد الغضب عند انتهاك حُرمات الشرع.
كان كريما خيِّرا منفقا، يساعد بعض تلاميذه سرا. وكان يُكرم مَنْ يختم عليه فيصنع له مأدُبة أو بعض الحلويات.
وفاته
توفي فجر يوم الأربعاء 12 شعبان 1429هـ، الموافق 13/8/2008م، وصُلي على جثمانه الطاهر بعد صلاة عصر يوم الأربعاء بالجامع الأموي الكبير بدمشق، واجتمعت رجالات دمشق وعلماؤها وقراؤها، وصلى عليه فضيلة المقرئ الشيخ أبو الحسن الكردي، وألقى بعد الصلاة فضيلة شيخ قراء دمشق الشيخ محمد كريم راجح كلمةَ القراء، وكانت مؤثرة جدا.
ووري الثرى في مقبرة الشيخ محيي الدين، بعد رحلة مباركة وصحبة طيبة عاشها مع القرآن وللقرآن، تعلما وتعليما وقراءة وإقراءً، أكثر من 70 سنة وهو يُعلِّم كتابَ الله للأجيال، فهو من أهل القرآن، الذين هم أهل الله وخاصته من خلقه، وأقيم له مجلس عزاء في جامع العثمان (الجامع الكويتي) بدمشق، رحم الله الشيخ محمد سكر وجعل الجنة مثواه، وبارك في أبنائه وذريته وتلامذته.

_
_
  • الفجر

    04:03 ص
...