الشفاء بنت عبدالله معلمة وطبيبة الصحابيات
باب الريان
06 أغسطس 2012 , 12:00ص
رقية الشرباصي
الشفاء بنت عبدالله بن عبد شمس القرشية العدوية وتكنى بـ «أم سليمان»، المرأة التي أرست مبدأ حق المرأة في التعلم، وأثبتت أن للمرأة طريقا آخر للتميز واكتساب المكانة بين الناس، بخلاف المال والنسب والجمال، وهو طريق العلم، فقد تبوأت الشفاء مكانة كبيرة بين قومها في عهد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- لا لسبب إلا أنها كانت تقرأ وتكتب وعلى دراية بعلم الطب.
أسلمت قبل الهجرة ولاقت في سبيل إسلامها الكثير من العذاب والاضطهاد، وتعد من المهاجرات الأوائل وممن بايع النبي -صلى الله عليه وسلم- كانت لها مكانة فريدة عند رسول الله فقد كان يأتيها ويقيل عندها، حيث اتخذت له فراشا وإزارا ينام فيه، فلم يزل ذلك عند ولدها حتى أخذه منهم مروان بن الحكم.
عرفت الشفاء برجاحة العقل وسدادا الرأي واشتهرت قبل إسلامها ببراعتها في مجال الطب- خصوصا الطب النفسي، حيث عرفت بقدرتها على الاسترقاء، وهو نوع من المعالجة بالإيحاء، وقد أجازه الإسلام بشروط أن يكون الإيحاء بكلام من الله عز وجل وأن يكون الدعاء موجها إلى الله عز وجل.
كانت الشفاء بنت عبدالله من القليلات اللائي يعرفن القراءة والكتابة في قريش، وساعدها هذا كثيرا في معرفة علوم الطب والرقية آنذاك، وجعلها تتبوأ مكانة كبيرة بين قومها، فلما أسلمت ذهبت تستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستمرار في ممارسة عملها، فسمح رسول الله لها بالرقية من الحمة والعين والنملة وهي عرفها أطباء اليوم بأنها قروح تخرج في الجنب، وسمي نملة لأن صاحبه يحس في مكانه وكأنه نملة، فقد أورد بن القيم رحمه الله أن الشفاء بنت عبدالله كانت ترقي في الجاهلية من النملة، فلما هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكانت قد بايعته بمكة قالت يا: يا رسول الله إني كنت أرقي في الجاهلية من النملة، وإني أريد أن أعرضها عليك، فعرضت عليه فقالت: بسم الله ضلت حتى تعود من أفواهها ولا تضر أحدا، اللهم اكشف البأس رب الناس. قال: فكانت ترقي بها على عود سبع مرات، وتقصد مكانا نظيفا، وتدلكه على حجر بخل حمر حاذق، وتطليه على النملة، فسمح لها رسول الله بالاستمرار في متابعة مهنتها، فعلمتها للنساء.
مكانة رفيعة
لم تكن مكانة شفاء العالية بين قريناتها من سائر النساء فقط، بل احتلت مكانة رفيعة عند أمهات المؤمنين وداخل بيت النبي، فكانت تدخل على أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها وتزورها في الأحايين والأوقات، وتعلمها الكتابة، وقد أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعلم حفصة، زوجه، رقية النملة والكتابة، أخرج أبو داود رحمه الله بسنده عن الشفاء أنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة فقال لي: «ألا تعلمين هذه -أي حفصة- رقية النملة كما علمتيها الكتابة».
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرم الشفاء ويصلها، فقد أقطعها عليه الصلاة والسلام دارا بالمدينة، فنزلتها مع ابنها سليمان بن أبي حثمة.
تبوأت الشفاء من بعد رسول الله ذات المكانة الرفيعة التي حظيت بها في عهده، حيث حرص الفاروق عمر بن الخطاب على أن يقتفي أثر النبي في معاملته للشفاء بنت عبدالله، فكان يقدمها في الرأي، وقد وصفها ابن حجر في الإصابة بأنها من عقلاء النساء وفضلاهن، وربما ولاها شيئا من أمر السوق، ولم تذكر لنا كتب الأخبار ما المهام التي قامت بها الشفاء بنت عبدالله في السوق إلا ما رواه ابن سعد في طبقاته عن حفيدها عمر بن سليمان بن أبي خثمة، عن أبيه قال: قالت الشفاء ابنة عبدالله: ورأيت فتياناً يقصدون في المشي ويتكلمون رويداً فقالت: ما هذا؟ فقالوا: نسّاك، فقالت: كان عمر إذا تكلم أسمع وإذا مشى أسرع وإذا ضرب أوجع وهو والله الناسك حقاً، ويتضح لنا من كلام الشفاء بنت عبدالله السابق الذكر أن هذا جزء من مهام الحسبة التي قامت بها.
وربما كانت مهمتها أيضاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما يخص النساء، وربما مراقبة تعليم الصبيان على اعتبار أن تلك المهام من أعمال المحتسب في الإسلام، والله أعلم، وكان عمر رضي الله عنه يزور الشفاء ويتفقد أحوالها، ويسأل عن زوجها وابنها سليمان، وقد تحدثت الشفاء نفسها عن هذا فقالت: دخل علي بيتي عمر بن الخطاب فوجد عندي رجلين نائمين، فقال وما شأن هذين ما شهدا معنا الصلاة؟ قلت يا أمير المؤمنين صليا مع الناس -وكان ذلك في رمضان- فلم يزالا يصليان حتى أصبحا وصليا الصبح وناما فقال عمر: لأن أصلي الصبح في جماعة أحب إلي من أن أصلي ليلة حتى الصبح.
وهبت الشفاء حياتها كلها للعلم والعمل والعبادة، فقد روت عن النبي صلى الله عليه وسلم, وروى عنها عمر بن الخطاب, وروى عنها ابنها سليمان وحفيداها أبوبكر وعثمان ابنا سليمان، وكذلك مولاها أبو إسحاق وحفصة أم المؤمنين.
رحم الله الشفاء بنت عبدالله التي أهدت للمرأة المسلمة دليلا قاطعا على تأييد نبي الله صلى الله عليه وسلم لقيام المرأة المسلمة بالأدوار النافعة في الحياة، فقد أثبتت الشفاء لكل الأجيال المسلمة من بعدها حرص نبي الرحمة على تعلم المرأة المسلمة القراءة والكتابة.