«المتحدة للتنمية» تفشل في الحصول على أموال المتقاعدين
31 يناير 2012 , 12:00ص
رغم قلة المتابعين لقضايا البورصة من المجتمع، فإن خبر انسحاب الشريك الاستراتيجي «الهيئة العامة للتقاعد والتأمينات الاجتماعية» من الشراكة المتفق عليها سلفا مع «شركة المتحدة للتنمية» قد أثار حفيظة الكل حول هذه القضية, والتي تهم جميع شرائح المجتمع لارتباطها بأموال المتقاعدين, والذين يدفعونها كاشتراكات لصندوق التقاعد.
بدأت القصة عندما تم الاتفاق بين المتحدة للتنمية والهيئة العامة للتقاعد بدخول الأخيرة كمستثمر استراتيجي في الشركة, وهذا شيء طبيعي, فالهيئة معنية باستثمار أموالنا التي بحوزتهم, فهي الضمانة لنا عند التقاعد, فتنميتها وزيادتها تصب في صالح المجتمع ككل. إلى هنا كان الوضع طبيعيا, فقد اتفقا على دخول الهيئة في الشركة, وتم تحديد سعر السهم بـ20 ريالا, ولكن ما حدث بعد من توجه شركة المتحدة للتنمية لإعادة تقييم استثماراتها العقارية وإدخالها كأرباح متحققة وتوزيع أسهم مجانية على المساهمين الحاليين سيؤدي إلى حرمان صندوق التقاعد من هذه الزيادة، هذه الحركة لم تمر على مستشار الصندوق (بنك قطر الوطني) الذي رأى أن معطيات الدخول في الشراكة الاستراتيجية قد تغيير بعد هذا الإجراء، وبذلك تم الانسحاب من الدخول في هذه الشراكة.
طبعا, بادئ ذي بدء أشكر حرص إدارة الهيئة ومستشارهم على أموال المتقاعدين، فلا يجوز اللعب والتلاعب بهذه الأموال لأنها تخص كل موظف سيظل يعمل ويجتهد سنوات عمره كلها حتى يتمتع بنهاية حياته براتب تقاعدي يضمن له حياة سعيدة في وقت يكون أحوج لهذا المعاش الذي اقتطع حصة من راتبه كل شهر لهذا الغرض، وعلى كل حال فإن محاولة التلاعب للكسب من أموالنا التي ندفعها لصندوق التقاعد مرفوضة رفضا قاطعا، وإني أرى أنه من المشين لأي مستثمر أن ينظر إلى هذه الأموال على أساس أنها صفقة سائغة له، يجب أن يكون لديه أولا مبدأ أخلاقي ليحافظ هو على هذه الأموال, وأكثر من ذلك أن يزيدها, لا أن يستغلها ليغطي إخفاقه في إنجاح المشاريع التي أسندت إليه. فالصناديق الاجتماعية مثل صندوق التقاعد والقاصرين والزكاة وغيرها يجب أن تنظر لها الشركات التجارية على أساس الالتزام بدعمها وإنجاحها, انطلاقا من مبدأ المسؤولية الاجتماعية للشركات.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل نعول على مبدأ الأخلاق والضمير الحي حتى نضمن عدم تكرار هذه الحالة؟ نعم هناك مبدأ الحوكمة ولكن يبدو أنه فشل في الوصول إلى تحقيق حوكمة فعلية للشركات، وأين دور الجهات التنظيمية في الدولة لمتابعة أية تجاوزات من هذه الشركات.
فعند العودة للحالة التي لدينا, الخاصة بشركة المتحدة للتنمية نجدها قد حققت أرباحا استثنائية هذه السنة بلغت 3.7 مليار ريال, بارتفاع أكثر من %500. طبعا المتابع سيتعجب من هذه الأرباح الكبيرة, ولكنها في الواقع ليست أرباحا حقيقية جاءت من أنشطة الشركة الطبيعية، ولكنها مجرد إعادة تقييم لاستثماراتها, فهل يجوز للشركة أن تقوم بإعادة تقييم استثماراتها؟ في الحقيقة, نعم يجوز لها, ولكن ضمن شروط محددة تتوافق والمعايير المحاسبية الدولية التي تنظم هذه العملية، فبعد الأزمة المالية التي لا تزال تربض على صدور أغلب اقتصادات العالم تم تعديل هذه المعايير, لأن سبب الأزمة المالية الأساسي هو إعادة تقييم عقارات وإدخالها في الأرباح لتحقيق أرباح غير ملموسة للشركة، وقد تصدى العالم لها وأقر تعديلات لمعيار المحاسبة الدولية رقم 39 (الأدوات المالية.. الاعتراف والقياس) ومعيار المحاسبة الدولية رقم 40 (الاستثمارات العقارية)، حتى يضمن عدم تكرار الأزمة المالية مرة أخرى، وبهذه التعديلات فإنه ينصح بأن تذهب نتائج إعادة التقييم إلى بند حقوق المساهمين وليس إلى بند الأرباح، فهل تم الأخذ بهذه المعايير في إصدار ميزانيات الشركات المحلية, وهل التزم المدقق الخارجي بمتابعة تطبيق هذه المعايير, وما دور جمعية المحاسبين القطرية في الرقابة على المدققين وضمان التزامهم بالمعايير الدولية، أم أن هذه المعايير لا تطبق عندنا أصلا؟
والقضية الأخرى التي تثير الاستغراب, كيف لشركة مثل المتحدة للتنمية أن تقوم بهذه العملية الكبرى في إعادة التقييم من دون إخطار البورصة, وإعلان ذلك للمساهمين؟ إن عملية إعادة التقييم غالبا ما ينتج عنها فروقات كبيرة وجوهرية في هيكل الشركة المالية, مما يؤثر على ميزانية الشركة السنوية، ومن حق المساهم الحالي أن يعرف أن هناك إعادة تقييم تُجرى للشركة حتى لا يبيع سهمه على جهالة، فمن مبدأ الشفافية أن تقوم الشركة العازمة على إعادة تقييم أن تعلن ذلك, وأن يكون لإدارة البورصة دور باتخاذ إجراء ضد الشركات التي لا تلتزم بهذا المبدأ من الإفصاح والشفافية، فيبدو أن دور إدارة البورصة غائب هنا.
وحتى نعرف مدى خطورة هذه السياسة في إعادة تقييم الأصول والاستثمارات وإدخالها ضمن الأرباح (الغير المتحققة) تخيل أن شركة قامت بعملية التقييم, وفي السنة التالية انخفضت الأسعار مما أدى إلى انخفاض هذه التقييمات, فماذا سيحدث للشركة حينها؟ فمثلا لو قامت شركة بإعادة تقييم ونتج عن ذلك أرباح خيالية بلغت 20 ريالا مثلا، ثم في السنوات التالية انخفضت أسعار العقارات وانخفضت معها التقييمات, فإن الشركة ستضطر أن تعلن عن خسائر إعادة تقييم، وتخيل معي عزيزي القارئ أن تنخفض التقييمات إلى ناقص 20 ريالا على السهم, أي أن السهم حقق خسائر قدرها 20 ريالا, فأين سيكون مصير هذا السهم، وهل سيرضى ملاك السهم عن مجلس الإدارة الذي أوصلهم إلى هذه النتيجة؟ فإن تحقيق الشركة خسائر تتجاوز رأس المال (القيمة الاسمية 10 ريالات للسهم) يعني نظريا أن الشركة في طريق إعلان إفلاسها لا سمح الله.
أنا شخصيا لست ضد إعادة التقييم, ولكن يجب مراعاة التدرج في هذا التقييم, وعدم القفز سريعا حتى لا يؤدي ذلك إلى نتائج كارثية مستقبلا، ثم إن التقييم يجب أن يتم وفق معايير وأصول المهنة المرعية في هذا الجانب. فكما تمت معالجة طرق احتساب المراكز المفتوحة كاستثمارات في البورصة بالنسبة لميزانيات الشركات فإننا ننتظر تطبيق معايير احتساب تقييم الاستثمارات العقارية.
وأخيرا، إننا نأمل خيرا في وزارة الأعمال والتجارة بعد اقتراح سعادة الوزير بتنظيم مهنة الاستشارات, وأنصح أعضاء مجلس الشورى الموقر الأخذ بهذا المقترح، وذلك لأن مهنة التقييم والتثمين العقاري أصبحت مهنة من لا مهنة له، نتائجها متروكة لذمة المقيم نفسه، بغض النظر عن خبرته وتحصيله العلمي، فكيف تترك هذه المهنة بلا تنظيم, ونتائجها مؤثرة جدا في الاقتصاد, بل أصبحت تستخدم للغبن والتضليل، فكم ضاعت حقوق ورثه بسبب هذه التقييمات التي لا تراعي الذمم. فإذا كان بعض المقيّمين يستخدم أدوات التجميل، فإننا نجد من يتجول في السوق وهو يحمل كافة أدوات الجراحة التجميلية ليخرج لنا بنتائج تقييم مفصلة حسب طلب الزبون, تتناسب والأرقام المطبوعة على الشيك الذي سيستلمه.