الأربعاء 10 ربيع الثاني / 25 نوفمبر 2020
 / 
05:09 ص بتوقيت الدوحة

الآخر

سوسن إبراهيم

"اطردوا هذه الفئة، اقتلوا تلك الأقلية، اقمعوا أولئك النسوة، انتزعوا هؤلاء المارقة من بينكم..". 
والكثير من خطابات الكراهية تُطلق في أنحاء العالم كل يوم لأن البشر أجناس وأعراق مختلفة، ولذلك فهم لا يطيقون العيش معاً. 
النزعة العنصرية متغلغلة جداً بنسيجهم البشري والفكري إلى الحد الذي أطبق على أعينهم، فلم يعودوا يروا إلا غبشاً أسود، تعزلهم بجماعات محددة ومحدودة تشترك بنفس الفكر والمنطق "الأعوج". 
العنصرية القبلية والطائفية والطبقية والجندرية وغيرها من الأيدولوجيات يتخذها البعض حُجّة ليُقصي الآخر.
ولن تنتهي هذه القائمة السوداء، فالعالم مشبّع بما يكفي بالعنصريات المقززة والمعادية للآخر والتي تؤكد على معنى أن الإنسان كائن شرير سادي، وكافة الحروب والمصائب تنبع منه وحده، والطبيعة بريئة منه. 
الكره والحب نقيضا بعضهما، ولكنني أختلف مع ذلك وأؤمن بأن الكره والتقبّل هما نقيضا بعضهما. ليس عليك أن تحبني، ولكن عليك أن تتقبلني كما أنا! 
بلا خلفيتي الدينية أو البقعة الجغرافية التي أنتمي لها أو حتى جنسي أو عرقي الذي أنحدر منه، أو ما هي القضايا التي أؤمن بها. 
المشكلة لدينا أن خطابات الكراهية مُلقوها يفتقدون حسّ التحاور والنقاش، وبالتأكيد تقبّل الآخر، ولذلك فهم أصحاب عقول دوغمائية متشددة ومتطرفة، لا تقبل إلا بالخضوع والقبول لمبادئهم، مهما كانت. للأسف فما دام يعتقد بأنه من جنس متفوق وأعلى شأناً سيظل يحترق بنار الحقد، ويظل أعمى البصيرة، ضارباً بمعتقدات الآخر عرض الحائط. 
شخصياً، لست من الذين يتفاعلون بمواقع التواصل بشكل مباشر، ولكنني من حين لآخر أتصفحها بعجل، وكل ما ألاحظه فيها هو ما يكشف مدى شيوع التعصب بين الأفراد. مواقع التواصل الاجتماعي الآن عرّت الفكر الجامد والمتطرف وأصحاب المعتقدات الرافضة للاختلاف، والتي تقصي وتنبذ من يجاهر بآرائه المعارضة.
كل ما هنالك هو مضاربات شفهية، وقذف بأعراض وعراكات بالألسن، وخطابات تُحرّض على العنف والكراهية تجاه الآخر، وما زال هناك الصراع الجندري الذي يرفض تفوق الآخر عليه.
وصراعات لن تنتهي بعد. حقيقة، لا أعتقد أن الأفراد هم من يعانون من هذه المشاعر المضطربة وحدهم، بلا تدخل، ولكن الإعلام هو من وجههم بداية، ولقنهم ليروا الآخرين عبيداً أو ضئيلين، وهم بهذه الترهات يتعملقون ويزدادون ضخامة وعنصرية. 
يقول أستاذ اللسانيات والفيلسوف الأميركي نعوم تشومسكي: "طالما أن عامة الناس لا يعلمون أو غير مبالين أو تم تحويلهم إلى النزعة الاستهلاكية أو الكراهية والانشغال بإقصاء بعضهم البعض، عندها يمكن للأقوياء أن يفعلوا ما يحلو لهم، وسوف يُترك أولئك الباقون على قيد الحياة للتفكير في نتائج واقعهم". 
من حق الآخرين أن يختلفوا مع معتقدات الآخر أو آرائه، ولكن ليس من حقهم مهاجمتهم لها، ولاتباع مذاهب أو سياسات تختلف عن نهجهم؛ لأن ببساطة وكما يُقال: الاختلاف لا يُفسد للود قضية، أو هذا ما يجب أن يجري.