كيف تضر المجموعات الراديكاليّة المقاتلة بمصالح الشعوب؟
29 أكتوبر 2013 , 12:00ص
إنّ خطر هذه المجموعات الراديكاليّة على الفكرة التي تدّعي تمثيلها وحمايتها بالإضافة إلى خطرها على الشعوب لا يقل أبداً عن خطر الأنظمة التي تقهر هذه الشعوب وإن ادّعوا أنّهم يحاربونها أيضاً، بل غالباً ما ينتهي الأمر، وهذا هو الأسوأ، بأن تخدم هذه الجماعات بطريقة غير مباشرة أجندة الأنظمة القمعيّة بشكل مباشر!
ولا تقتصر هذه الجماعات بطبيعة الحال على فئة معيّنة، فقد شهد التاريخ منها القومي، ومنها العنصري، ومنها الطائفي، وإن كان الدارج منها منذ حوالي عقد من الزمان حالياً المجموعات الراديكاليّة التي غالبا ما يتم إلصاق اسمها بالإسلام زوراً.
وعند الحديث عن هذه المجموعات، لا يجب أن نغفل أن ارتباطها بالأنظمة بشكل مباشر أو غير مباشر هو ارتباط وثيق إن من ناحيّة الصناعة في بعض الأحيان وأن من ناحية الاستغلال والتوظيف أو من ناحية النتيجة، وهذا أمر يجب أن لا نتجاهله عند الخوض في أي نقاش حول هذه المجموعات. فبعض هذه المجموعات جاء كرد على الفراغ الذي تركته هذه الأنظمة من خلال تقاعسها في مواجهة التحديات الخارجيّة كالقضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي مثلاً أو التحدي الغربي لمصالح الشعوب، وبعضها جاء كنتيجة مباشرة لعملية القمع والاضطهاد والتعذيب وإغلاق العملية السياسيّة التي مارستها الأنظمة داخلياً على شعوبها، والبعض تم إنشاؤه في سياق عملية التلاعب بالتركيبة الاجتماعيّة للشعوب العربيّة طائفياً أو مذهبياً أو دينيّاً أو قومياً، وبعضها نشأ إثر الفهم الخاطئ للفكر الذي يتبعه سواء أكان يسارياً أو قومياً أو إسلامياً أو خلافه مصحوباً بوضع اقتصادي سيئ للغاية وأميّة منتشرة وجهل على مستوى كبير، والبعض تمّ إنشاؤه ليكون بمثابة ذراع لتحقيق أهداف سياسية أو خدمة أجندات خارجيّة.
تتميز هذه المجموعات عادة بالجرأة في القتال وإنزال خسائر ماديّة بالهدف التي تقاتله في بداية عملها مما يساعدها على أن تكتسب إلى حد ما تعاطفا في تلك الفترة ليس حباً فيها وإنما كرها في العدو ولأنها تثخن فيه بقوّة، فتبدأ الأموال والأسلحة والرجال بالتدفق إليها مما يزيد من شوكتها وقوّتها. لكن في المقابل، فإن هذه الجماعات تتميز أيضاً بسطحية شديدة وبالجهل السياسي المطبق وتفتقد إلى الأدوات الدبلوماسية ولا تمتلك حس المسؤوليّة، ولأنها غالبا ما تتشكل من أفراد ينتمون إلى جنسيات مختلف، فإن هؤلاء يتجاهلون مصلحة الناس الموجودين في البيئة التي يعملون فيها، ولأن ليس لديهم أجندة سياسية لأنّهم لا يمثلون دولة ولا يدافعون عن دولة بعينها ويفتقدون إلى وجود دافع في الحياة فإنهم غالبا لا يهتمون بالمصلحة العامة ولا بالتداعيات التي قد تنجم عن أي عمل أو عملية يقومون بها.
ومع مرور الوقت شيئا فشيئا، تبدأ هذه الجماعات بالانحراف عن المسار الأساسي وينتقل تركيزها من المعركة الأساسيّة إلى معاركة جانبيّة فتدخل في صراعات متعددة وينتقل الاهتمام معها من قتال العدو الأساسي إلى فرض أنماط اجتماعية أو دينيّة معيّنة على البيئة الشعبيّة التي تحتضنها مما يؤدي أيضا إلى الاصطدام بها، فتضطر هذه البيئة إلى رفض هذه الإملاءات، وغالباً ما تنشأ أذرع لمواجهتها فيحصل تحوّل استراتيجي في القتال وفي مسار القضيّة برمّتها، فيبدأ الأهالي و/أو من يمثّلهم من مجموعات عسكرية بالاصطدام مع هؤلاء، فتتشتت الجهود وتضيع البوصلة، وغالباً ما ينتهي الأمر إلى خسارة هذين الطرفين في مواجهة العدو أو التحوّل إلى الفوضى الشاملة، فتذهب نتيجة الجهود الأساسية في مقاتلة العدو إلى طرف ثالث تماماً كما حصل في العراق سابقاً وفي أماكن أخرى.
في مرحلة من المراحل كانت هذه الجماعات تلحق الأذى الكبير بالاحتلال الأميركي ثم انحرفت عن مسارها فتم استغلال بعضها من قبل النظام السوري وبعضها من قبل النظام الإيراني، مما أضر بشكل هائل بمجموعات المقاومة الحقيقيّة والأصيلة داخل العراق. وبدأت المجموعات الراديكاليّة أيضاً تفرض منهجها على الناس والبيئة الحاضنة، فنشأت الصحوات لمقاتلتها وفي النهاية خسر هذان الطرفان وذهبت جهود سنوات في مقاومة المحتل الأميركي إلى إيران التي حصلت على اتفاق مع الجانب الأميركي، والآن العراق تحت النفوذ الإيراني بالكامل والسنّة لا قيمة ولا وزن لهم على الإطلاق وأصبحوا خارج المعادلة. في سوريا يحصل شيء مشابه الآن، أدى دخول هذه الجماعات إلى تركيز الاهتمام الغربي عليها ووضعها تحت الأضواء بدلا من نظام الأسد، كما أعطت شرعيّة لأكاذيب الأسد في الخارج والتي يقول فيها: إنّه يقاتل الجماعات الإرهابية وليس الشعب.
وسرعان ما دخلت هذه الجماعات في قتال مع مجموعات المعارضة المسلحة أيضاً ليس التابعة للجيش الحر فقط بل وحتى الجماعات الإسلامية الأخرى بما فيها تلك ذات التوجه السلفي الأمر أدى إلى تشتيت جهود المعارضة المسلحة وإلى ابتعاد أصدقائهم عنهم بدعوى التخوّف من تحولهم إلى جماعات راديكالية، أو من وصول هذه الأسلحة في النهاية إلى الأطراف الراديكالية عبرهم.
والآن تستخدم العديد من الدول الفاعلة هذه الجماعات كذريعة لتعطيل الدعم المالي والعسكري للمعارضة السورية، وبعض الدول تستخدمها كذريعة للعودة إلى الأسد وعقد صفقات معه على اعتبار أن هذه الدول تعتبر محاربة الجماعات الإرهابيّة أو الراديكاليّة أولويّة عندها تفوق بأهمّيتها الإطاحة بنظام الأسد.
حتى إنّ بعض الدول الصديقة للمعارضة السورية أصبحت تتحرّج من تقديم دعم عسكري لها بسبب الضغوط الغربية واتهامها بتقديم دعم عسكري للمجموعات الراديكاليّة. إن ضرر هذه المجموعات الراديكاليّة فاق حد استخدام أو توظيف النظام السوري لها، فالمجموعات الكرديّة الانفصاليّة تعزز الآن من شرعيّتها دولياً من خلال تقديم نفسها على أنّها تحارب الإرهاب أيضاً عندما تشتبك مع هذه المجموعات، وفي هذه الحالة يصبح هناك مصلحة دوليّة في دعم المجموعات الكرديّة.
للأسف لم نتعلّم أياً من دروس الماضي ولا نزال نكرر نفس الأخطاء على المستوى السياسي والعسكري، وسنكون من الغباء بمكان إذا ما كنّا نعتقد أن تكرار نفس الأسلوب سيؤدي إلى نتائج مختلفة في سوريا.