الأمير يحدد الداء العربي.. ويضع الحلول
29 مارس 2015 , 02:24ص
حملت كلمة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام القمة العربية، أمس، في مدينة شرم الشيخ المصرية، مضامين السياسة الخارجية القطرية، والقائمة على انتهاج الحلول السلمية في الأزمات التي تحاصر الوطن العربي، وبما يضمن تحقيق الاستقرار والتنمية لجميع شعوب المنطقة.
لكن اللافت أن سمو الأمير حرص في مستهل كلمته على تهنئة الشعب العماني الشقيق بالعودة الميمونة لأخيه جلالة السلطان قابوس بن سعيد سالماً معافى من رحلته العلاجية، متمنياً لجلالته موفور الصحة والعافية.
هذه اللفتة تعبر عن مدى المكانة التي تحتلها السلطنة الشقيقة وجلالة السلطان عند قطر شعباً وقيادة، فلا ينسى القطريون وعلى رأسهم سمو الأمير للسلطان قابوس وبلاده الحرص على تطوير علاقات التعاون مع قطر، فضلاً عن مواقفه المشرفة في دعم قضايا الأمة، وبحكمة كبيرة تعد إحدى سمات السياسة الخارجية العُمانية منذ تولي جلالته السلطة.
سبع نقاط رئيسية تضمنتها كلمة حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى هي فلسطين، وسوريا، والإرهاب، واليمن، وليبيا، والعراق، وإيران، فضلاً عن التنمية.
كان طبيعياً أن تكون فلسطين هي الملف الأول في كلمة سمو الأمير، فالقضية الفلسطينية كانت وستظل القضية المركزية لدولة قطر، وإذا تم حلها بسلام عادل وبما يحقق أماني وتطلعات الشعب الفلسطيني، فوقتها ستكون مفتاح الاستقرار للمنطقة بل والعالم، وسُتحل تلقائياً العديد من الأزمات الأخرى المرتبطة بها.
حدد الأمير عدة أمور تُعد من الثوابت في سياسة الدولة، من بينها أن السلام والاستقرار والأمن لن يتحقق في منطقتنا إلا بالوصول إلى تسوية عادلة وشاملة، تستند إلى قرارات الشرعية الدولية والعربية وفق مبدأ حل الدولتين.
وفي الوقت الذي أكد فيه سموه أن «السلام العادل والشامل خيارنا الاستراتيجي الذي حافظنا عليه طوال عقود»، فإنه استطرد بأن عملية السلام ما زالت تراوح مكانها منذ ما يزيد عن عشرين عاماً، بل وشهدت للأسف تراجعاً متواصلاً، ونوه بأن إسرائيل لم تزل مستمرة في اعتداءاتها على الشعب الفلسطيني، وكان آخرها عدوانها على قطاع غزة والحصار الجائر للقطاع، والاستمرار في عمليات الاستيطان والخطط الإسرائيلية المستمرة لتهويد مدينة القدس.
ولأن سمو الأمير يدرك أن مفاوضات السلام بآلياتها المختلفة ومبادراتها المتعددة وصلت «إلى منتهاها في ضوء التعنت الإسرائيلي المستمر» حسب قوله، فإنه «لم تعد هناك جدوى من مواصلة هذا المسار الذي بات يغطي على العدوان والاستيطان».
ووضع الأمير الكرة في ملعب مجلس الأمن الدولي، ودعاه لتحمل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، وإلى أخذ المبادرة لتحديد الإجراءات والتدابير اللازمة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً للقرارات الدولية، وبموجب نصوص الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وضمن خطة عمل سياسية واضحة، وفي إطار برنامج زمني محدد.
وبشأن الأزمة السورية، جاءت كلمة سمو الأمير متسقة تماماً مع المواقف القطرية الداعمة للشعب السوري الشقيق، منذ بدء ثورته، وأعاد أمام المجتمعين التذكير بهول ما فعله نظام بشار الأسد بحق السوريين، وكان سمو الأمير حاسماً بالتأكيد «بشكل جازم وقاطع» على أن هذا النظام ليس جزءاً من أي حل. منوهاً بأن الحل السياسي يعني تلبية مطالب الشعب السوري، وإتاحة المجال أمام القوى المدنية السورية بجميع تياراتها إلى تشكيل حكومة انتقالية تعمل على تمهيد الطريق أمام الشعب السوري لتحديد خياراته بنفسه في انتخابات حرة نزيهة وشفافة، لرسم معالم مستقبله، واستعادة وطنه وحريته وكرامته دون خوف أو إرهاب.
وحول قضية الإرهاب، جاءت كلمات حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، لتحدد أصل الداء، وتوجيهه رسالة لمن يتناسون سبب هذه الظاهرة، بتوضيحه أنه لا يمكن فصلها «عن عوامل عديدة تراكمت على مدى العقود الماضية، كيأس الخاسرين من عمليات التحديث دون تنمية، واليأس من إمكانيات التغير السلمي مع سد الدولة الأمنية احتمالات الإصلاح، وسياسات الإقصاء الطائفي والتهميش الاجتماعي وغيرها».
وكعادة الموقف القطري الثابت، جدد سموه التأكيد بأنه «أياً كانت الأسباب، لا يجوز تبرير الإرهاب»، وشدد على أن «نحن جميعاً ندين الإرهاب بكافة أشكاله وصوره، والواجب علينا جميعاً العمل على اجتثاثه من جذوره، لكونه يهدد مجتمعاتنا ووحدتها الوطنية، ويشل قدرتها على العطاء والبناء والتفاعل الإنساني والحضاري». وطالب الحضور بأنه «على المدى البعيد فلا بد من معالجة الأسباب، ومواجهة العوامل التي أدت إلى بروزه»، وكان سموه واضحاً في تأكيده على «ضرورة التفريق بين الإرهاب ومقاومة الاحتلال، وحق الشعوب في النضال من أجل تقرير مصيرها».
وتحدث سمو الأمير باستفاضة عن الأزمة اليمنية، وشدد على أن الأحداث الأخيرة التي قامت بها «جماعة أنصار الله»، وبالتنسيق مع الرئيس السابق، هي اعتداء على عملية الانتقال السلمي في هذا البلد، وتفرغ نتائج الحوار الوطني من مضمونها، وتصادر الشرعية السياسية، وتقوض مؤسسات الدولة. والأخطر من هذا كله أنها تزرع في اليمن بذور ظاهرة مقيتة لم تكن قائمة فيه، وهي الطائفية السياسية.
وحمّل سموه «ميليشيات حركة أنصار الله والرئيس السابق علي عبد الله صالح المسؤولية عن التصعيد الذي جرى مؤخراً».
ودعا كافة الأطراف والقوى السياسة إلى تغليب مصلحة اليمن وشعبه، واحترام الشرعية المتمثلة في الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومته المعترف بهما من المجتمع الدولي، بسحب الميليشيات من مؤسسات الدولة والأماكن العامة، والعمل على استكمال تنفيذ العملية السياسية.
وشدد سموه على ضرورة الاصطفاف إلى جانب الشرعية في اليمن، ورفض سياسة فرض الأمر الواقع. وأكد أن دولة قطر لن تألو جهداً في تحقيق ذلك بالتعاون مع الأشقاء.
وعن الأزمة في ليبيا، جدد أمير البلاد المفدى الموقف القطري الثابت الداعي والداعم للحوار الوطني بين جميع الأطراف، انطلاقاً من رؤية قطر في أنه لا حل عسكري في ليبيا، وأن المخرج الوحيد من تداعيات الأزمة هو حل سياسي يحترم إرادة الشعب الليبي ويلبي طموحاته المشروعة في الأمن والاستقرار، ويهيئ الظروف لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، بمشاركة جميع القوى السياسية والاجتماعية الليبية ودون إقصاء أو تهميش، بعيداً عن التدخلات الخارجية.
وأكد سموه دعم قطر ومساندتها للجهود التي تبذلها الأمم المتحدة، ودول الجوار الليبي، والهادفة إلى تفعيل الحوار الوطني بين جميع مكونات الشعب الليبي الشقيق للوصول إلى حل سياسي يحقق تطلعات وآمال الشعب الليبي.
وحول العراق، دعا حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى إلى مساعدة هذا البلد على إطلاق عملية سياسية شاملة لتحقيق المصالحة الوطنية بين جميع مكونات الشعب العراقي، لتكريس نمط جديد من العلاقات السياسية والاجتماعية تزول فيها كل النزاعات المذهبية والطائفية والعرقية، وتؤسس لمرحلة جديدة تكفل مشاركة الجميع، وتستجيب لتطلعات الشعب العراقي بجميع مكوناته.
وبشأن الملف الإيراني، أكد سموه أن قطر تنظر بإيجابية تامة إلى الجهود الدولية لحل الخلافات مع طهران حول مشروعها النووي سلمياً، وذلك انطلاقاً من نهج دائم للدوحة في دعم السلام والاستقرار في منطقة الخليج.
ولأن قطر داعية سلام لا حروب، ووفاق لا توتر، فقد أكد سمو الأمير على علاقات حسن الجوار مع إيران «التي نعتبرها جزءاً لا يتجزأ من منطقتنا ومن أمتنا الإسلامية»، لكن سموه شدد في نفس الوقت على أن علاقة حسن الجوار تقوم أيضاً على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. ونوه في كلمات معبرة بأن «تعدد الطوائف والمذاهب في أمتنا العربية هو مصدر غنى ثقافي وحضاري. إنه جزء من هويتنا العربية المركبة، وليس سبباً للتدخل في شؤوننا الداخلية».
ولم يغفل سمو الأمير المفدى، في كلمته، أن يذكّر قادة وحضور القمة العربية، بأن أساس «استقلال إرادتنا وقرارنا» هو تحقيق التنمية للشعوب.
وشدد على ضرورة «تحرير التنمية في بلادنا من الضغوط والمؤثرات الخارجية السلبية والنظام غير العادل للعولمة»، وهو ما يتطلب تحقيق التكامل الاقتصادي الحقيقي والفعلي بين الدول العربية، لا سيما في مجالات الأمن الغذائي، وتكامل سياسات التربية والتعليم، وتنمية المناطق المهمشة.
لقد وضع حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في كلمته الشاملة، القمة العربية أمام مسؤولياتها، ومثلما كان معبراً في بدايتها بالحديث عن القضية المركزية للعرب والمسلمين، وهي القضية الفلسطينية، كون حلها يعني حل قضايا أخرى مرتبطة بها، فقد وضع سموه يده على أصل الداء العربي، وهو يؤكد في ختام الكلمة أن «التنمية» هي مفتاح كل استقرار سياسي، وأن انتهاج مبدأ الحروب والمغامرات الخارجية هو أسلوب عفا عليه الزمن، ولم يجلب إلا المآسي للشعوب والأنظمة على حد سواء.