


عدد المقالات 1
منذ انطلاق الثورة السورية في مارس 2011 كحركة مدنية شعبية، لعبت قطر دورًا محوريًا في دعم مطالب الشعب السوري بالحرية والكرامة. قادت الدوحة، بالتعاون مع الرياض ودول عربية أخرى، جهودًا للتوصل إلى تسوية بين المتظاهرين السلميين والنظام الذي اعتمد على مختلف أشكال القمع العنيف لاحتواء الاحتجاجات. ولطالما بنت الدوحة سمعة دولية بشأن قدرتها على توظيف الأدوات الدبلوماسية في حل الأزمات الإقليمية ودعم الحلول السياسية، حيث سارعت إلى لعب دور بارز في المبادرة العربية التي أُطلقت في أغسطس من العام نفسه. تمخضت هذه المبادرة عن تشكيل لجنة وزارية خاصة بالأزمة السورية، وترأستها قطر مستضيفة عدة اجتماعات رئيسية لبحث سبل حل الأزمة. مع تصاعد العنف من قبل النظام، وجد الثوار أنفسهم أمام خيارات محدودة: الموت أو الاعتقال، أو الدفاع عن أنفسهم بالسلاح. هذا التحول دفع قطر إلى التكيف مع المتغيرات دون التراجع عن موقفها الرافض لاستخدام النظام القوة والقمع في مواجهة الثورة والعمل على حل سياسي للأزمة السورية. لذا استمرت قطر في دعم المعارضة الممثلة للشعب السوري بمواجهة النظام، وأسهمت الدوحة بشكل كبير في تأسيس المجلس الوطني السوري كمنصة موحدة للمعارضة. إضافة إلى ذلك، حرصت قطر على التنسيق مع القوى الإقليمية والدولية، بما في ذلك الولايات المتحدة وتركيا وإيران، لتعزيز الجهود الرامية إلى إنهاء القمع والانتهاكات التي كان يمارسها النظام السوري. ورغم تعقيد المشهد، ركزت السياسة القطرية على تغليب الحلول السياسية على العسكرية، مع الانفتاح على كافة الأطراف السياسية والعسكرية داخل سوريا. لقد ظل رفض التطبيع مع نظام الأسد أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الخارجية القطرية. ففي مقابلة مع صحيفة «لو بوان» الفرنسية في سبتمبر 2022، أكد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أن الأسباب التي أدت إلى عزل النظام السوري ما زالت قائمة. وقد أشار سموه في كافة خطاباته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى ضرورة إيجاد حل سياسي يحقق تطلعات الشعب السوري في الحرية والكرامة ومحاسبة مجرمي الحرب. هذا الموقف تُرجم على الأرض من خلال إبقاء السفارة السورية في الدوحة تحت إدارة المعارضة السورية، حيث ظل علم الثورة السورية يرفرف عليها، في رسالة واضحة على انحياز قطر لمطالب الشعب السوري. ومع سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، أطلقت قطر جسرًا جويًا لتقديم مساعدات إنسانية عاجلة للشعب السوري، كما أعلنت قطر عن إعادة فتح سفارتها في دمشق. وجاءت زيارة وفد وزاري قطري، برئاسة السيد محمد الخليفي وزير الدولة إلى دمشق، كإشارة إلى بداية مرحلة جديدة في العلاقات السورية- القطرية. وفي هذا السياق، ليس مستغربًا أن يشيد أحمد الشرع القائد العام للإدارة السورية الجديدة بموقف قطر الثابت في كل المراحل مع الشعب السوري، وأنه يسعى إلى بناء تعاون إستراتيجي واسع مع الدوحة والاستفادة من الخبرات القطرية في جميع المجالات. وفي هذه المرحلة الانتقالية من تاريخ سوريا، يمكن لقطر أن تعمل كوسيط بين الأطراف ومكونات الشعب السوري المختلفة بهدف تعزيز المصالحة الوطنية وطي صفحة الماضي مع إطلاق مسار للعدالة الانتقالية تشرف عليه الحكومة السورية الجديدة، لاسيما أن قطر قد حققت سمعة دولية مرموقة في مجال الوساطة وحل النزاعات، ويمكن لهذه الخبرة أن تُوظف بشكل إيجابي في سوريا، حيث تُعد المصالحة الوطنية أولوية قصوى في هذه المرحلة. كما يمكن أن تقوم الدوحة باستثمار تجربتها الدبلوماسية لتعزيز التعاون بين القوى الإقليمية والدولية بشأن الملف السوري، مما يضمن دعمًا مستدامًا للسلام والاستقرار عبر مساعدة الحكومة الانتقالية في رفع سوريا من قوائم العقوبات الاقتصادية التي أثقلت كاهل المواطنين في سوريا. على صعيد آخر، قد يسهم الدور القطري في سوريا في دعم الاستقرار والتنمية في سوريا. يشمل ذلك تقديم المساعدات الإنسانية وإعادة بناء البنية التحتية المدمرة، وتقديم الخبرات اللازمة لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة الحيوية خاصة قطاع الطاقة الذي تضرر بشدة خلال سنوات الحرب، إضافة إلى تطوير قطاع الطيران سواء من خلال إعادة تأهيل المطارات السورية أو تقديم الخبرات الفنية اللازمة لتحسين الخدمات الجوية. والاستثمار في التعليم والصحة لتمكين المجتمع السوري من النهوض مجددًا. في الختام، يعكس الدور القطري في سوريا التزامًا إستراتيجيًا طويل الأمد بتعزيز الاستقرار الإقليمي ودعم تطلعات الشعوب للحرية والكرامة، وبفضل إمكانياتها الاقتصادية ورؤيتها الدبلوماسية، تمتلك قطر فرصة لتحويل سوريا إلى نموذج للتعافي ما بعد النزاع، مع تعزيز دورها الإقليمي كوسيط بين القوى الكبرى في النظام الدولي. ومع ذلك، يبقى تحقيق هذه الأهداف مرهونًا بتضافر الجهود العربية لتحقيق سلام مستدام في سوريا، وإرادة السوريين في طي صفحة الماضي والبدء في بناء دولتهم الجديدة.