alsharq

مهيرة عثمان طه - معلمة، مدربة معتمدة - باحثة في علم النفس التربوي

عدد المقالات 1

عندما نكتشف أبناءنا قبل أن نحكم عليهم

17 سبتمبر 2026 , 10:26م

في كثير من البيوت، ما زال التفوق الدراسي هو المقياس الوحيد لذكاء الأبناء وتميزهم وحبهم، فإذا لم يحقق الطفل درجات عالية، وُصف بأنه ضعيف أو مهمل وغير مهتم. لكن الحقيقة التربوية تقول غير ذلك؛ فكل طفل يحمل بداخله موهبة وهواية، وكل عقل يبدع بطريقة مختلفة، فقط يحتاج لمن يكتشفه ويمنحه الفرصة.
قدّم عالم النفس التربوي هوارد جاردنر نظرية الذكاءات المتعددة، التي غيّرت نظرتنا للذكاء. فبدلًا من اعتباره قدرة واحدة، أوضح أن الإنسان يمتلك أنواعًا متعددة من الذكاءات، مثل الذكاء اللغوي، والمنطقي، والحركي، والاجتماعي، والموسيقي، والبصري، والطبيعي، والذاتي، ولكل فرد بصمته الخاصة ونقاط قوة في هذه الجوانب.
في البيت يبدأ الاكتشاف الحقيقي فالأم والأب هما أول من يلاحظ ميول الطفل: هل يحب القراءة؟ هل يفكك الألعاب ليعرف كيف تعمل؟ هل يقود المجموعة في اللعب؟ هل يرسم لساعات؟ أم يقضي وقته في التأمل والتفكير؟ هذه الملاحظات ليست تفاصيل عابرة، بل مفاتيح لمعرفة هواية الطفل وقدراته وميوله. لكن بعض الأسر تقارن أبناءها بغيرهم، وتحاول أن تجعل الجميع نسخة واحدة. فنسمع عبارات مثل: «شوف أخوك أشطر منك» أو «أنت ما نافع إلا في اللعب»، وهذه الكلمات قد تُضعف ثقة الطفل بنفسه، بينما كان يحتاج فقط إلى من يكتشف المجال الذي يبدع فيه.
التربية الحديثة تدعونا إلى الانتقال من سؤال: «كم درجتك؟» إلى سؤال أهم: «في ماذا تتميز؟» فربما يكون الطفل الذي لا يحب الحفظ، مبدعًا في التصميم، أو قائدًا بالفطرة، أو رياضيًا متميزًا، أو صاحب مهارة عالية في التواصل مع الآخرين.
ومن أجمل ما يمكن أن يقدمه الوالدان لأبنائهم هو توفير بيئة تسمح لهم بالتجربة والاستكشاف، دون خوف من الخطأ أو المقارنة. فالطفل عندما يشعر أن أسرته تؤمن بقدراته، ينمو وهو يعرف نفسه، ويختار مستقبله بثقة ووعي.

توصيات
راقبوا اهتمامات أبنائكم أكثر من مراقبة درجاتهم.
امدحوا الجهد والمحاولة، وليس النتيجة فقط.
وفروا أنشطة متنوعة تساعد الطفل على اكتشاف مواهبه.
ابتعدوا عن المقارنات بين الإخوة أو الأقران.
تذكروا دائمًا أن كل طفل خلقه الله بقدرات تميزه عن غيره، ودور الأسرة أن تكتشف هذه القدرات وتنميها، لا أن تطمسها.
إن اكتشاف الذكاءات المتعددة في وقت مبكر ليس رفاهية تربوية، بل هو استثمار في مستقبل الأبناء، وبداية لصناعة إنسان يعرف نفسه، ويثق بقدراته، ويساهم في بناء مجتمعه من موقع قوته وتميزه.