alsharq

دوان موسى الزبيدي- تركيا

عدد المقالات 1

رأي العرب 31 يوليو 2026
وجهة رائدة للاستثمار الأجنبي
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 29 يوليو 2026
عقيدة الدمار... كيف تُعاد هندسة الشرق الأوسط؟

رحل الأمير الذي امتشقَ التواضعَ سيفاً.. نصيرُ المظلومين وضميرُهم

14 يوليو 2026 , 01:37ص

حين يرحل القائد، لا يرحل وحده، بل يرحل معه فصلٌ كامل من عمر وطن، ويُطوى بغيابه سِفرٌ كانت سطوره تُكتب بمداد الحكمة، وتُروى بماء العزيمة، يذهب الجسد إلى مثواه، لكن السيرة تبقى نجمًا لا يُطفئ توهّجَه ظلامُ الفقد، بل يزداد بريقًا كلما ازدادت الليالي حَلَكةً.
كان الشيخ حمد - رحمه الله - رجلًا تهابه القلوب قبل أن تهابه العيون، فهيبته لم تكن وليدة سطوةٍ، ولا نتاج صولةٍ، بل كانت ثمرة صدقٍ تراكم على مرّ السنين، حتى صار حضوره وحده كافيًا لأن يسكت الصخب، وتخشع الأصوات، تلك هي الهيبة الحقة: لا تُستمَد من الخوف، بل من الإجلال؛ ولا تُبنى على القهر، بل على اليقين بأن هذا الرجل لا يقول إلا ما يعتقد، ولا يعد إلا بما يفي، وما كانت حكمته صمتًا يتوارى خلفه العجز، بل كانت أناة يتدبر فيها العواقب قبل أن يخوض الغمار، يزن الأمور بميزان لا يميل به هوى، ولا تُرجّح كفّته عاطفةٌ عابرة، كان يرى في العاصفة ما لا يراه غيره، فيمضي بسفينة القوم إلى بر الأمان، وهم لا يزالون يحسبون أن الريح ستُغرقهم، تلك بصيرة القادة الذين وهبهم الله عينًا ترى أبعد مما تُبصر الأعين.
وما أعجب أن تجتمع في رجلٍ واحد صلابة الموقف ورقّة الفؤاد! فقد كان - في عليائه - أبًا رحيمًا لمواطنيه والمقيمين تحت سماء وطنه، يحمل همومهم كما يحمل التاج على مفرقه، ويسأل عن الضعيف كما يسأل عن مصالح الدول، تلك الرقة التي لا تُضعف صاحبها، بل تزيده جلالًا، إذ يعلم الناس أن هذا العظيم القاسي على الباطل، هو ذاته الرحيم بالمساكين، الحاني على الأيتام، الباسم في وجوه الأطفال، الناصر للمظلومين. 
ولئن كانت السلطة تُغري كثيرًا بالمحاباة، فقد كان ميزانه واحدًا للقريب والبعيد، للصديق والغريب، لا يستثني من العدل أحدًا، ولا يجعل للمنصب حصانةً من الحساب، وبذلك زرع في نفوس رعيته يقينًا راسخًا أن القانون فوق الجميع، وأن العدالة لا تعرف محاباة ولا مجاملة. فقد ترك دفة السفينة وهو ربانها، ليديرها من توسّم فيه الخير للناس.
رحل الجسد، لكن الأثر باقٍ كالنقش في الصخر، لا تمحوه الرياح ولا تُذيبه الأزمان، وستظل سيرته - ما بقي الدهر - مشعلًا يُستضاء به في الحَلَك، ومرجعًا يُستَلهَم منه حين تضيق السبل. فسلامٌ عليه يوم وُلد، ويوم قاد، ويوم رحل، ويوم يُبعث حيًا في ذاكرة كل من عرف قدره وأحبّ فضله، وإن الذين ماتوا وهم أحياء في القلوب، لم يموتوا حقًا، بل انتقلوا من عالم الأجساد إلى عالم الخلود.
الشيخ حمد كما عرفناه القائدُ الذي امتشقَ التواضعَ سيفاً. نصيرُ المظلومين وضميرُ الملهوفين.
ثمة رجالٌ لا تعلو هاماتهم لمجرد المناصب التي يتبؤونها، بل تعلو بفضلِ قلوبٍ اتسعت لآلام الناس، ونفوسٍ أبت إلا أن تظلَّ لصيقةً بترابِ الأرض وهمومِ البسطاء. وفي رحيلِ قائدنا الراحل، لا ننعى اليومَ رجلَ دولةٍ فحسب، بل ننعى «إنساناً» جعل من التواضعِ عقيدةً، ومن نصرةِ المضيومين ميثاقاً قوياً.
لقد كان الراحلُ يدركُ بفطرته السليمة أنَّ التواضعَ ليس ضعفاً، بل هو أقوى أسلحةِ القادةِ العظماء. لقد رأيناه، في أكثرِ المواقفِ رسميةً، يخلعُ رداءَ الهيبةِ المصطنعةِ ليرتدي ثوبَ القربِ من الناس. لم يكن يرى في كرسيهِ عازلاً يمنعه من مصافحةِ العاملِ في حقله، أو الاستماعِ إلى صرخةِ الأرملةِ في زقاقِ مدينته. كان يمشِي بيننا بوقارِ المتواضعِ، لا بصلفِ المتعالي؛ فقد كان يؤمنُ بأنَّ القائدَ خادمٌ لرعيته، وأنَّ عظمته تكمنُ في قُدرته على أن يكون واحداً منهم، يشعرُ بما يشعرون، ويحلمُ بما يحلمون.
حارسُ المظلومين وملاذُ الملهوفين
أما خصلةُ «نصرة المضيومين»، فكانت نبضَ حياته ومحورَ قراراته. لقد كان هذا القائدُ يشعرُ برعشةِ المظلومِ في صوته، وبحُرقةِ المقهورِ في نظراته. لم تكن مكاتبهُ يوماً مغلقةً دون أصحابِ الحاجات، بل كانت أشبهَ بـ «محرابِ عدلٍ» يجدُ فيهِ المكسورُ من يجبرُ خاطره، والضعيفُ من يشدُّ أزره.
كان الراحلُ لا ينامُ ملءَ جفنيه إذا علمَ أنَّ هناك مظلمةً لم تُرفع، أو حقاً لم يُردَّ إلى صاحبه. كان يرى في المضيومِ أمانةً في عنقه، وسؤالاً سيُسألُ عنه أمام التاريخِ والضمير. لم يكتفِ يوماً بالوعودِ البراقة، بل كان يقتحمُ غمارَ الصعابِ ليأخذَ بيدِ من طالهم الجور، وكان يرى أنَّ أسمى إنجازاتِ حكمه ليست في البناءِ الماديِّ فحسب، بل في إشاعةِ العدلِ الذي يجعلُ الإنسانَ آمناً في سربه، مطمئناً على حقِّه. بفقدانه، خسرنا بوصلةً أخلاقيةً كانت ترشدنا إلى معنى «القيادة الحقيقية»، لقد علّمنا أنَّ السلطةَ ليست للجاهِ ولا للترفع، بل هي وسيلةٌ لنصرةِ الحقِ ورفعِ الحيفِ عن المظلومين، سيبقى اسمه محفوراً ليس في الصروحِ الشاهقةِ التي بناها، بل في ذاكرةِ كلِّ ملهوفٍ أنصفه، وكلِّ مضيومٍ مسحَ على قلبه، وكلِّ بسيطٍ شعرَ بوجوده. ستظلُّ مدرسةُ التواضعِ والعدلِ التي أسسها باقيةً، تُذكّرنا بأنَّ القائدَ العظيمَ هو ذاك الذي يتركُ في قلوبِ الناسِ أثراً لا يمحوهُ غبارُ الزمان، ورسالةً مفادها: أنَّ العدلَ هو أبهى حللِ القادة، وأنَّ التواضعَ هو مفتاحُ القلوبِ التي لا تضلُّ طريقَ الحق.
وأختم:
وَمَا كَانَ سَيْفُ القَائِدِ الغَضْبِ مُشْهَراً
لِيُؤْذي، وَلَكِنْ لِلضَّعِيفِ لِيَنْصُرَا
مَضَى وَهْوَ لِلْمَكْسُورِ جَابِرُ عَظْمِهِ
يَرَى دَمْعَةَ المَظْلُومِ نَاراً تَسَعَّرَا
يَذُبُّ عَنِ العَاجِزِينَ بِرَأْيِهِ
وَفِي وَجْهِ مَنْ بَغَى عَلَيْهِمْ تَجَبَّرَا
تَوَاضَعَ لِلْأَقْوَامِ حُبّاً وَرَحْمَةً
وَأَصْبَحَ بِالأَخْلَاقِ لِلنَّاسِ معبرا
فَلا تَحْسَبُوهُ فِي الثَّرَى مُتَوَسِّداً
فَقَدْ صَارَ فِي كُلِّ المَكَارِمِ مَنْبَرَا