الثلاثاء 5 ذو القعدة / 15 يونيو 2021
 / 
06:33 م بتوقيت الدوحة

الأمن القومي العربي والردع النووي

د. محمد بن عوض المشيخي

تعد منطقة الشرق الأوسط في مقدمة أقاليم العالم من حيث كثرة القلاقل والتوترات، فقد عانت الشعوب العربية في هذه المنطقة الأمَرَّين في أعقاب اتفاقية (سايكس بيكو) المشؤومة التي قسّمت العالم العربي إلى مناطق نفوذ لكل من بريطانيا وفرنسا، مما ترتب عليه احتلال وتهجير وقتل ونكبات في فلسطين والدول المجاورة لها، بُعَيْد إقامة كيان إسرائيلي غاصب في قلب الوطن العربي، ولعلنا نتذكر جميعًا العدوان الثلاثي على مصر من قبل فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، ثم الحروب المستمرة والنكسات المتكررة على المنطقة منذ ذلك الحين، وكنتيجة طبيعية لهذه الحروب العبثية التي فُرِضت من الخارج على العرب، استُنزِفت الأموال والأرواح في هذه الصراعات التي لا يُراد لها أن تنتهي، فالحكومات العربية هي الأكثر إنفاقًا على شراء السلاح في العالم، فقد خلصت مراكز الدراسات الاستراتيجية العالمية إلى أن العرب أنفقوا خلال آخر عقد ونصف أكثر من ألف مليار دولار، وعلى الرغم من ذلك، فإن العرب أكثر ضحايا الحروب والتعذيب واللجوء عبر الحدود الدولية، بسبب قمع بعض الأنظمة والحكومات العربية الاستبدادية لشعوبها، أما معهد (استوكهولم للسلام الدولي) فقد كشف في تقريره السنوي عن امتلاك بعض الدول العربية لأكبر نسبة إنفاق عسكري على شراء السلاح من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2018م، وهي تباعًا: 
١- المملكة العربية السعودية بنسبةٍ بلغت (8.8%)
٢- سلطنة عُمان بنسبةٍ بلغت (8.2%)
٣- دولة الكويت بنسبةٍ بلغت (5.1%) 
٤- الجمهورية اللبنانية بنسبةٍ بلغت (5 %)
٥- الملكة الأردنية الهاشمية بنسبةٍ بلغت (4.7%)
 هذه الأرقام الفلكية التي ذهبت إلى اقتصاديات الدول الصناعية الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، لو تم استثمارها في تنمية البِنى الأساسية للإنسان العربي، كبناء المصانع، والمدارس، والجامعات، واستصلاح الأراضي الزراعية، وإيجاد فرص عمل للشباب، لتحول الوطن العربي إلى جناتٍ خضراء، وواحات سلامٍ ومحبةٍ وتنميةٍ مستدامة، ولَارتقى المواطن العربي من المحيط إلى الخليج، ولَاختفت المجاعات والصراعات والعداوات بين الأشقاء الذين تجمعهم رابطة الدم والدين الحنيف والقومية العربية. 

ومن المفارقات العجيبة أن معظم الأنظمة العربية تقوم بشراء السلاح لمحاربة بعضهم بعضًا، وحماية الكراسي والحكام من السقوط في وجه التهديدات الداخلية من المعارضين في الداخل والخارج؛ وليس للدفاع عن الأوطان في وجه الأعداء وتحرير مقدسات الأمة، فقد اثبتت الأيام والوقائع أن كلَّ دولةٍ عربية تخشى من جيرانها العرب أكثر من خشيتها من الأعداء المحتملين من الدول الأجنبية. 

وعن أضخم عشرة جيوش في العالم من حيث العدد، كشف موقع (Global Firepower) المتخصص في الشؤون العسكرية للدول بحسب آخر إحصائية لهذا العام 2021م، احتلالَ المملكة العربية السعودية المرتبة العاشرة عالميًّا، إذ يبلغ عدد القوات العاملة قرابة أربعَمائةٍ وثمانين ألفَ جندي، في حين تراجع ترتيب مصر بعد أن كان جيشها يحتل المرتبة العاشرة من حيث عدد القوات العاملة في الخدمة العام الماضي، إلى المرتبة الحادية عشرة، بقواتٍ عاملة يبلغ عددها أربعمائة وخمسين ألف جندي، أما إيران فقد احتلت المرتبة الثامنة عالميًّا بقواتٍ عاملة بلغ عددها أكثر من نصف مليون جندي، متفوقةً بذلك على كثير من جيوش الدول المجاورة في الخليج العربي.

ولا شك في أن السباق المحموم في شراء الدول العربية للسلاح قد أنقذ شركات السلاح العالمية في مواجهة مشكلةٍ تتمثل في تقليص الإنفاق الحكومي في سائر دول العالم على شراء الأسلحة، وتوجهت كذلك دولٌ عِدَّة في آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية إلى استخدام الموارد الوطنية في إقامة مشاريع اقتصادية تعود بالفائدة على تلك الشعوب والأمم بدلًا من شراء الطائرات المقاتلة والدبابات والمعدات العسكرية.

وحول الأمن القومي العربي المشترك الذي يشكل الهاجس الأكبر للرأي العام العربي غير المفعل والذي كانت الدول العربية المنتسبة للجامعة العربية قد وقعت عليه منذ عقود تحت مسمى (معاهدة الدفاع العربي المشترك)، والتي تهدف بالدرجة الأولى إلى مواجهة العدوان المسلح الذي يستهدف التراب العربي، واعتبار ذلك الاعتداء على دولةٍ عضو هو اعتداءٌ على سائر الدول الأعضاء، فإنها لم تُفعَّل سوى مراتٍ قليلة، إذ كانت البداية بإرسال الرئيس المصري عبد الناصر قوات مصرية لتأمين الحدود الكويتية من تهديدات الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم عام 1961م، وفي حرب رمضان 1973م تم تفعيل المعاهدة للمرة ثانية عندما شاركت بعض العناصر من الجيوش العربية مع القوات المصرية والسورية.

وحريٌّ بالتذكير هنا أن العرب كانوا سباقين في محاولة الحصول على السلاح النووي قبل غيرهم من دول المنطقة، فقد بدأت جمهورية مصر العربية برنامج الطاقة النووية عام 1954، ثم بعد ذلك بدأ العراق بتطوير برنامج طموح لتحقيق أهداف الأمة وأمنيات الجماهير العربية بتأسيس مفاعل (تموز)، ولكن تم استهدافه وتدميره من قبل إسرائيل في عام 1981م، وفي عام 2003م فككت ليبيا منشآتها النووية تحت التهديد والضغوطات الغربية؛ إذ كانت قد وصلت إلى مرحلة متقدمة في صنع القنبلة الذرية.

إن أقل ما يمكن قوله أن العرب في مجال تحقيق ما يُعرَف بالردع النووي مع الأعداء، تنقصهم الإرادة والشجاعة التي تملكها القيادة الباكستانية التي نجحت في الحصول على السلاح النووي على الرغم من الحصار المفروض عليها من الغرب والشرق، ولعلنا نستشهد هنا بتصريح الزعيم الباكستاني الراحل (ذو الفقار علي بوتو) الذي قال: " إذا بَنَتِ الهند القنبلة فإننا سنقتات الأعشاب والأوراق، بل حتى نعاني آلام الجوع، ولكننا سنحصل على قنبلةٍ من صنع أيدينا، إنه ليس لدينا بديل"، وبالفعل دخلت باكستان وقبلها الهند وإسرائيل ثم كوريا الشمالية النادي النووي من أوسع أبوابه إلى جانب الدول الخمس الدائمة العضوية، إذ تشير أرقام تقريبية للرؤوس النووية في العالم إلى امتلاك روسيا 7 آلاف رأس ذري، وتأتي بعدها الولايات المتحدة الأمريكية بحدود 6800 رأس ذري، في حين تمتلك كلٌّ من فرنسا والصين ما بين 270 إلى 300 رأس ذري لكلٍّ منهما، واحتفظت بريطانيا بذيل قائمة الدول الكبرى بامتلاكها 215 رأسًا ذريًّا فقط، واحتلت باكستان الترتيب السادس بامتلاكها 140 رأسًا ذريًّا، متفوقةً بذلك على جارتها الهند التي صنعت 130 رأسًا ذريًّا، في الوقت الذي تمتلك فيه إسرائيل وكوريا الشمالية 80 و20 رأسًا ذريًّا على التوالي.

لقد أجمع معظم الخبراء الاستراتيجيين على أنه لا مكان في هذا العالم اليوم لمن يستخدم السلاح النووي سوى في الدفاع أو الهجوم، فذلك العمل أقرب إلى الإفلاس السياسي والانتحار العسكري ويشكل إبادةً جماعية للكائن البشري قاطبة، فشعوب العالم المتحضر تنظر بازدراء للعمل البربري وغير الأخلاقي الذي قامت به الولايات المتحدة الأمريكية قبل 76 سنة، والمتمثل في إسقاط قنابل ذرية على المدن اليابانية (هيروشيما وناجازاكي)، ولقد صُعِقت البشرية، واهتز العالم من الكوارث النووية التي وقعت في مفاعل (تشيرنوبل) في كورانيا قبل عدة عقود، ثم تكررت كارثة مشابهة في محطة (فوكوشيما) اليابانية التي تعرضت لزلزال تسونامي، مما أدى إلى تعطيل أنظمة التبريد في المحطة. 

ومن هنا يمكن القول إن الخطر الحقيقي الذي يواجه الأمن القومي العربي في الوقت الحالي لا يتمثل في القنابل الذرية الإسرائيلية التي تقدر بالعشرات، بل في رفض الكيان الصهيوني إخضاع منشآته النووية لنظام الضمانات الشاملة للوكالة الدولية للطاقة؛ إذ يقع مفاعل (ديمونا النووي) في منطقة جغرافية غير مستقرة جيولوجيًّا؛ لقربه من الوادي المتصدع الكبير المعروق جغرافيًّا (الشق السوري الأفريقي).

أما بالنسبة للجار الشرقي (إيران) فبرنامجه النووي يتكون من 15 منشأة وموقع موزعين على مختلف المناطق في الجمهورية، ويعد مفاعل (بوشهر) الذي يقع في الساحل الشرقي للخليج العربي هو الأقدم، ويبعد قرابة 200 كيلو متر فقط عن مدينة الخفجي، ويقع على خطٍّ زلزاليٍّ نشط، مما يجعل أي تسرب إشعاعي يعرض السكان في دول مجلس التعاون للخطر.

وختامًا، فإن الخلافات الجانبية بين الدول العربية من أقوى وأهم التحديات التي تواجه الأمن القومي العربي، كما أن الحروب الأهلية التي تشتعل في ست دول عربية منذ سنوات تعد كارثية بما تحمله تفاصيل هذه الكلمة من معنى، وقد حان الوقت لأمراء الحروب في تلك الدول إيقاف قتل الأبرياء، وتدمير المدن، والبنى الأساسية، وأصبح البحث عن أهل الحكمة والعقل لإدارة هذه البلدان من أهم ضروريات هذه الحقبة من تاريخ العرب؛ لأجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الدماء العربية التي أصبحت هي الأرخص على ظهر هذا الكوكب.

د. محمد بن عوض المشيخي
أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري