alsharq

شمَّة شاهين الكواري

عدد المقالات 2

الأوديسة من الملحمة إلى الفيلم (1-2).. قراءة تحليلية ونظرة فكرية في رحلة العودة من «الدمار»

12 أغسطس 2026 , 10:21م

تحكي الأوديسة واحدة من أقدم القصص البشرية عن واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية ولا أخالها الأقدم على الاطلاق. ووحده الله الذي خلق البشرية، يعرفها حق المعرفة وقادر على أن يقدر عمرها؛ ويعلم متى بدأت ومتى ستنتهي؟
والأوديسة ملحمة شعرية يونانية قديمة منسوبة للشاعر الأعمى هوميروس. يُرجّح أنه نظمها بين القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد وتتكون من أربعة وعشرين كتابًا وتروي رحلة (أوديسيوس) ملك جزيرة إيثاكا الذي يحاول العودة إلى وطنه وإلى زوجته (بينيلوب) وابنه (تيليماكوس) بعد انتهاء حرب طروادة. تستغرق الرحلة عشر سنوات يواجه خلالها المخاطر وأهوال البحر والمخلوقات الأسطورية والإغراءات فيما تنتظره زوجته محاطةً برجال يتمنون أنه مات ويرغبون في الزواج منها للاستيلاء على الملك. 
المخرج (كريستوفر نولان) قام بإحياء الملحمة وحولها لفيلم ضخم وطرحها بلغة الإنسان الغربي المعاصر محولًا إياها من حكاية بحرية مثقلة بالمغامرات الأسطورية والشخصيات الخيالية إلى تأمل فيما يحصل للإنسان بعد يقظة الضمير. 
  تعدّ الأوديسة إلى جانب الإلياذة؛ حجر أساس في الأدب اليوناني وأهم النصوص المؤسسة للحضارة الغربية ومرجع ثقافي أدبي فلسفي امتد تأثيره في البشرية لألفي عام. منهما انطلقت تقاليد السرد الملحمي في أوروبا ودرست لقرون بوصفهما كتبًا تعلِّم اللغة والأخلاق والبلاغة والتاريخ كما أثرت في معظم الأدباء الغربيين الكبار أمثال دانتي وشكسبير وميلتون وتتناول مواضيع إنسانية حاضرة حتى اليوم مثل الحنين للوطن والوفاء للأسرة والصبر على المحن ومواجهة الإغراءات والبحث عن الهوية بعد الغياب والعلاقة بين القوة والعقل إذ ينتصر البطل بالحيلة أكثر منه بالسلاح وغدت شخصيته نموذجًا للإنسان الذي يواجه العالم بعقله وصبره وقدرته على التكيف! وبسببها تحول نموذج رحلة البطل الواحد؛ بناءً سرديًا نموذجيًا يبدأ بخروج البطل من عالمه ويواجه اختبارات صعبة قبل أن يعود وهو شخص متغيّر. لذلك استلهمتها آلاف الروايات والأفلام والمسرحيات ومن أشهر الروايات التي استلهمتها رواية الدون كيشوت دلي منشة.  
والتساؤل الذي تطرحه الأدويسة أكثر من غيره هو: هل يستطيع الإنسان أن يعود كما كان بعد اجتياز خبرات حياتية صعبة؟ هل تغيرنا رحلة الحياة؟ هل الانتصار هو هزيمة الأعداء أو هو التعرف على النفس؟
ملحمة الأوديسة ليست ملكًا للغرب وحده بل هي جزء من التراث الإنساني العالمي شأنها شأن ملحمة جلجامش والشاهنامة وغيرهما فكل واحدة منهم تعبّر عن رؤية حضارية للإنسان والعالم وتُثري تطور الأدب والفكر عبر العصور. وينبغي التمييز بين القيمة الأدبية والحضارية لمثل هذه الأعمال وبين المعتقدات السائدة في الزمن الذي ظهرت فيه فالإعجاب بالقيم لا يعني قبول ما فيها من معتقدات وأساطير؛ إذ إنها نتاج مجتمع وثني بدائي.  لذا يفترض أن تدرس وتقرأ بوصفها أرثًا أدبيًا وتاريخيًا إنسانيًا يكشف طريقة تفكير اليونان القدماء لا بوصفها مرجعًا دينيًا أو أخلاقيًا.
صنع المخرج البريطاني (كريستوفر نولان) فيلمًا يجمع بين الدراما والخيال الأسطوري وهو من أضخم المشروعات السينمائية في العام 2026 ومعالجة حديثة تستندّ على الملحمة ابتداء عرضه عالميًا في 17 يوليو 2026 ولا يقدم ترجمة حرفية للنص القديم بل أعاد بناء الحكاية سينمائيًا مستفيدًا من موضوعاتها الكبرى الحرب والعودة والذاكرة والوفاء والهوية والخطيئة والندم والرغبة في استعادة الطمأنينة.
وما أن سمعت بعرض فيلم الأدويسة المأخوذ عن الملحمة حتى قررت حضوره ومشاهدته وأنا التي لم تدخل دور السينما منذ سنوات طوال، وهكذا شحذت الهمة وخصصت وقتًا وبعد انقطاع طويل خضت تجريه دخول السينما ومشاهدة فيلم. وفي رأيي لا تنبع أهمية الفيلم من تقديمه واحدًا من النصوص المؤسسة للأدب الغربي بواسطة أحدث تقنيات السينما، بل في اعتبار الأوديسة نص أدبي تراثي إنساني يتناول معنى البيت والهوية والوفاء والبطولة وحدود الضعف البشري أمام قوة الزمن وتحديد المصير.

ماذا وجدت فيه؟
يتتبع الفيلم القائد (أوديسيوس) ملك (إيثاكا) في رحلته الطويلة للعودة إلى زوجته المخلصة (بينيلوب) وابنه الشاب الوسيم (تيليماخوس) بعد انتهاء حرب طروادة، ويواجه في طريقه أخطار ومخلوقات أسطورية وتجارب، تختبر إرادته وتكشف عن هويه أخلاقية مدفونة! 
(أوديسيوس) أحد قادة الإغريق ارتبط اسمه بالحيلة والذكاء وحصان طروادة لا يعود من الحرب في صورة المنتصر بل يعود رجلًا مثقلًا بالدمار وشعور الذنب الذي أحدثه في أثينا؛ مطاردًا بصور القتلى والدمار ليكتشف أن الخروج من الحرب كان ممكنًا أما إخراج الحرب من داخله فليس هينًا! وتصبح رحلة العودة رحلة محاسبة للنفس فكل جزيرة يصل إليها وكل خطر يعيده إلى ماضيه ويجبره على مواجهة حقيقة نفسه. 
وقد اعتمد الفيلم سردًا غير خطي تظهر خلاله ذكريات البطل في صورة شذرات متفرقة. وأرى أن المخرج جعل الذاكرة وتزييف الإنسان لروايته عن نفسه من القضايا الأساسية في الفيلم بحيث لا يعود السؤال المطروح هو: ماذا حدث في الحرب؟ بل: كيف يتذكر المنتصر ما حدث وكيف يبرر أفعاله الآثمة لنفسه وكيف يقنع المشاهد بقبول ذلك؟

في رثاء الأمير الوالد.. رجلٌ صنع وطنًا.. وبقي في قلوب شعبه وأبنائه

ليس من السهل أن ترثي رجلًا بحجم صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فهناك رجال يرحلون فتغيب أجسادهم، لكن آثارهم تبقى نابضة في حياة أوطانهم، وهناك رجال يصبحون جزءًا من ذاكرة...