الإثنين 17 محرم / 15 أغسطس 2022
 / 
06:11 ص بتوقيت الدوحة

كيف من المفترض أن يقرأ العرب الصفقة النووية مع إيران؟

علي حسين باكير
تمّ التوصل يوم الخميس الماضي بتاريخ 2 أبريل 2015 إلى اتفاق أوّلي شامل بين إيران ودول مجموعة (5+1)، يشكّل إطاراً للاتفاق النهائي الذي من المنتظر أن يتم التوقيع عليه في شهر يونيو القادم ما لم تحصل أية مستجدات تعرقله. وتقوم كل جهة الآن بالترويج للمكاسب التي حققتها من خلال الاتفاق، كما تقوم الأطراف التي ترى أن الاتفاق سيئ بتفنيد مخاوفها من بعض النقاط والثغرات الواردة فيه. على الصعيد العربي الرسمي، لم نسمع تفنيدا أو تفسيرا لما جاء في الاتفاق من وجهة نظر عربية، لاسيَّما من الدول التي من المفترض أنّها معنيّة به أكثر من غيرها.
كل ما جرى أن وسائل الإعلام نقلت تصريحات بعض المسؤولين في بعض البلدان العربية ومن بينها السعودية؛ حيث عبّر الملك سلمان بن عبدالعزيز أثناء تلقيه اتصالا هاتفيا من أوباما، عن أمله في أن يتم الوصول إلى اتفاق نهائي ملزم يؤدي إلى تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.
لا بد من الإشارة بداية إلى أن ما تمّ الإعلان عنه ليس اتفاقا نهائيا، وسنكون بحاجة إلى تفاصيل أكبر قبل أن يتم الموافقة عليه بشكل نهائي، لكننا في جميع الأحوال، سنعتمد على قراءة شاملة للنص الذي وضعه البيت الأبيض على موقعه الإلكتروني بعنوان (JCPOA). عند قراءة النص سنلاحظ أن الاتفاق محدد زمانا وموضوعا، وهذا يعني أنه إجراء مرحلي، ويقتصر فقط على البرنامج النووي الإيراني. ودلالات هذه المعطيات أنه وبغض النظر عمّا جاء فيه، فإنه عند انتهاء الفترة الزمنية ستصبح إيران بحلّ من القيود التي فرضها عليها. أمّا الدلالة الثانية، فإنه لا يعالج المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى دول المنطقة وهي ليست البرنامج النووي الإيراني بحد ذاته وإنما سلوك إيران وسياساتها الطائفية ودعمها للميليشيات الإرهابية وللأدوات غير التقليدية في تقويض أمن ووحدة دول المنطقة.
وبما أن الاتفاق المنشور لا يتعرّض لهذه النقطة المهمة جدا، فهذا يعني أنه إما تمّ عقد صفقة تحت الطاولة تتيح لإيران التمدد في المنطقة العربية مقابل الموافقة على هذا الاتفاق، وإما أن الجانب الأميركي يراهن على أن الاتفاق سيغير مع الزمن سلوك إيران نحو الأفضل، أو كلاهما معاً.
والحقيقة أن هناك مؤشرات على كلا الاحتمالين سواء عبر «الضمانات التي أعطاها أوباما لإيران في رسائله السريّة وعدم تعرضه لنظام الأسد، ودعم حكومة المالكي السابقة والتعاون مع الحرس الثوري في مهاجمة «داعش»، وغض النظر عن التوسع الحوثي والدعم الإيراني له في اليمن»، أو عبر التصريحات الرسمية للجانب الأميركي التي تقول إن الاتفاق سيمهد لمرحلة جديدة ويفتح أبوابا للتعاون وتحقيق الاستقرار في المنطقة.
يجب أن لا يخطئ العرب في قراءة الصفقة النووية، فإيران لم يتم حرمانها من النووي، وإنما سَتُعطى قِسطاً من الراحة لمدة 10 سنوات ستعمل خلالها بالتأكيد على تطوير قدراتها الاقتصادية والعسكرية التقليدية بشكل هائل، وستمارس نشاطاتها النووية المدنية بالشكل المعتاد ولكن بمساعدة الغرب، وبعد انقضاء الـ10 سنوات ستصبح قوة نووية شرعية بموجب الاتفاق، وسيتم الاعتراف ببرنامجها النووي بحجمه الصناعي الضخم.
وبما أن الاتفاق يحدد فترة «الاختراق النووي الإيراني»، أي الفترة التي تمكنها من امتلاك قنبلة نووية بعام واحد، فهذا يعني أنّ إيران ستظل خلال فترة الصفقة وبعدها قادرة «إذا ما أراد النظام» على امتلاك رأس نووي خلال سنة على أبعد تقدير، وخلال بضعة أشهر في أقربها. فترة السنة هذه ليست كافية حقيقة للغرب لكي يتّخذ أي إجراء حقيقي يمنع إيران من امتلاك القنبلة النووية، لكنّها كافية حتما بالنسبة لهم لتطوير نظام احتواء نووي يبدأ نظريا مع توقيع الاتفاق في يونيو المقبل. أمّا بالنسبة للعرب فمهلة سنة لا تسعفهم في فعل أي شيء على الإطلاق. الخبر الوحيد الذي من الممكن النظر إليه نسبيا بشكل إيجابي عربيا هو فترة الاتفاق البالغة 10 سنوات.
هذه الفترة قد تتيح للعرب بعض الوقت للحاق بإيران، رغم أن ذلك سيكون صعبا للغاية، فدول مثل العراق وسوريا تحتاج إلى عقود لتعود إلى ما كانت عليه وليس لتصل إلى مستوى إيران، ودولة مثل مصر تتراجع منذ عقود وخلال السنتين الماضيتين غرقت في حفرة ولا تزال هناك.
بالنسبة لدول الخليج العربي وبعض الدول العربية الأخرى، فلا يبدو أنها تمتلك المؤهلات البشرية الكافية والتي يتطلب الإعداد لها سنوات طويلة، ولا حتى البنية التحتية. الإمارات تعدّ الأقرب زمنيا، فهي بدأت منذ فترة إنشاء محطات نووية والبعض يشير إلى أنها ستكون جاهزة للعمل خلال عامين أو ثلاثة، لكن الإمارات اضطرت إلى التخلي عن حق التخصيب بضغط أميركي مقابل الحصول على التكنولوجيا والمعدات المطلوبة. المملكة العربية السعودية تمتلك خططا طموحة لكنها تمتد حتى 20 سنة، أما الأردن فهو لا يزال يطرح مشروعا نوويا ويعمل مع روسيا وكوريا الجنوبية على ذلك.
يجب التعامل مع إيران بدءا من لحظة التوقيع على الاتفاق على أنها دولة نووية وبناء الحسابات على هذا الأساس، خاصة أنه وبعد انتهاء الاتفاق من المتوقع أن تكون إيران قوة اقتصادية وعسكرية ونووية في الوقت نفسه، وستكون بمثابة تركيا الحالية مضافا إليها النفط والغاز والطاقة النووية.
وبناءً على ما تقدّم، فعلى هذه الدول العربية وغيرها ممكن هو معني بهذه التطورات أن تقوم بالسعي للحصول على ما حصلت عليه إيران في الاتفاق من حق التخصيب والطاقة النووية من أجل الأغراض السلمية، وأن تقوم أيضاً بتطوير قدراتها الصاروخية الهجومية، وإعادة النظر بشكل جذري بطبيعة علاقاتها الإقليمية والدولية، في حين ستكون كل من روسيا والصين والولايات المتحدة في صف إيران، لا يبدو أنه يمكن للعرب الاعتماد على لاعب دولي موثوق وذلك بسبب ضعفهم وفشلهم في إدارة علاقاتهم الإقليمية والدولية بكفاءة وحنكة.
وبما أن الاتفاق محصور بالملف النووي، فعلى العرب أن يتوقعوا أن لا تتراجع إيران عن طموحها في توسيع نفوذها الإقليمي، قد تتراجع سياساتها العدائية خلال فترة جس نبض تنفيذ الاتفاق النووي لكن بشكل مؤقت وما يلبث أن تعود من جديد. يجب الانتباه إلى أن الاتفاق النووي مع إيران قد يؤثر بشكل سلبي على تركيا وباكستان كما سبق وذكرنا في مقالات سابقة وهذا يعني عمليا تحييدهم عن الصراع مع إيران أو التقليل من قدرتهم على التصادم معها ما لم يتم خلق شبكة مصالح عربية قوية معهم تدفعهم إلى الترابط الوثيق لموازنة إيران، كما يجب الانتباه إلى أن موقف إسرائيل قد يتغير لاحقا، لأنه لا سبب حقيقي لديها في المعارضة، كما أن خياراتها في مواجهة هذا الوضع أوسع من خيارات العرب في جميع الأحوال.

❍ @ AliBakeer