المجتمع المسلم مطالب بالسعي لتوفير نعمتي الطعام والأمن لكل أبنائه
الصفحات المتخصصة
31 أغسطس 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر: محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح في هذه الحلقات مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين.
التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر.
وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير على حلقات حصرياً في «العرب». ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط.
ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب.
سورة قريش
بسم الله الرحمن الرحيم
{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيْتِ (3) الذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)}
السورة مكية، وهي سورة مستقلة، بحكم تسميتها، وبحكم موضوعها، وبحكم صياغتها وأسلوبها.
{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2)}
اللام في الآية الكريمة للتعليل، أي: من أجل إيلاف قريش لرحلة الشتاء والصيف، أي: من أجل جعلهم يألفون هاتين الرحلتين الكبيرتين العالميتين، إحداهما في الشتاء إلى اليمن، والأخرى في الصيف إلى الشام.
وكانت هاتان الرحلتان في غاية الأهمية، لسكان هذه المنطقة الحجازية، وقضاء كثير من حاجاتهم التي تهمهم، ويحتاجون إليه ا من الخارج، ولكل واحدة من هاتين الرحلتين مصالح وأهداف تحققها، لا تحققها الرحلة الأخرى، لاختلاف طبائع البلاد ومنتجاتها وصناعاتها، وما اعتاده أهلها في مختلف الشؤون مما يؤكل وما يلبس وما يصنع، وما يصدر إلى الآخرين، وما يستورد منهم.
وقد القى الله في قلوب قريش حب هاتين الرحلتين، والاعتياد عليهما، وتآلف سائر الناس من حولهما معهم عليها.
وكان هذا مما هيأ الله لقريش ومن حولها، ومن كان على مثل حالها من العرب، فقريش أبناء وذرية فهر بن مالك بن النضر بن كنانة.. هم قبيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعته، الذين حاربه منهم من حاربه، كعمه أبي لهب، وآمن به من آمن، وناصره من ناصره عصبية له، وحفاظا عليه.
وهاتان الآيتان هما جزء من الآيتين الكريمتين، اللتين بهما تكتمل السورة الكريمة، فالسورة بآياتها الأربع جملة واحدة، بما يكملها.
{فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيْتِ (3) الذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)}
من أجل إيلاف قريش رحلتهم، فهم مطالبون مأمورين من الله تبارك وتعالى، رب هذا البيت العتيق، البيت الحرام بمكة المكرمة، التي هيأهم الله ليعيشوا فيها، ويقيموا بها، كما قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران:96-97].
هم مطالبون أن يعبدوا رب هذا البلد، ويوحدوه ويفردوه بالعبادة والطاعة، ولا يشركون به ولا معه الها آخر. كما فعل الكثير من العرب، ممن أفسدوا هذه العبادة، فلم تَعْدُ لله وحده، ولم يعبد ربهم الذي خلقهم وسوَّاهم ورزقهم، هو الذي تعنو له وحده الوجوه، وتسجد له الجباه، وتركع له الظهور.
ثم يبين الله تعالى لهم جدارته بأن يعبدوه، وحده لا شريك له، فقال: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)} هذا الإله العظيم رب البيت، هو الذي تميَّز بأمرين أو بنعمتين عظيمتين، ليس لأحد سواه فضل فيهما.
النعمة الأولى: نعمة إطعامهم من جوع، فقد خلق الإنسان بطبيعته محتاجا إلى الطعام، لا يستغني عنه، كما قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} [الأنبياء:8].
لهذا هيأ الله للناس الأطعمة المختلفة من البر والبحر، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، بل هيَّأ (أم الإنسان) لتطعمه من ثديها قبل أن تظهر له أسنان تستطيع أن تقطع، ومن هنا كان على كل قادر أن يطلب الطعام الملائم له ليأكله، ومن لم يجد فعلى من عنده طعام أن يؤتيه، وليس منا من بات شبعان، وجاره إلى جنبه جائع.
{ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ }
ذكر الله النعمة الثانية بعد ذكر النعمة الأولىن وهي الإطعام من جوع.
والثانية: الأمن من الخوف، فدلنا هذا الجزء من الآية على أن نعمة الأمن من الخوف، نعمة كبيرة، من هيأها الله له، كان أهلا أن يشكر الله تعالى، وأن يسأله المزيد منها، والحفاظ عليها.
وبهاتين النعمتين: الإطعام من جوع، والأمن من خوف، تتكامل على الإنسان نعم الله، التي لا بد للإنسان منها.
الأولى: نعمة الكفاية من العيش. والثانية: نعمة الأمن من الخوف.
ولهذا اعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم الأمن من العناصر الأساسية لكل فرد في حياته، كما قال: «من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنماحيزت له الدنيا بحذافيرها».
واعتبر القرآن شر المجتمعات من ابتلي بالمصيبتين معا: الجوع وإلخوف، فقال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَإلخوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل:112].
ولهذا كانت نعمة الله على قريش أن أنعم عليهم، بالرخاء من العيش، وبالأمن من الخوف، بفضل سدانتهم ورعايتهم للبيت الحرام، الذي جعلهم الله خدمًا له، وقوّامًا بأمره وأمر حجاجه ومعتمريه، بإطعامهم وسقايتهم، وخدمتهم طوال حجهم وعمرتهم، فوفر الله - بوساطة ما يقومون به للبيت- الأمن في سفرهم وسياحتهم في طول البلاد وعرضها، والأمن في بلدهم، كما قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} [العنكبوت:67].
{وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إليه ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص:57].
سورة الماعون
بسم الله الرحمن الرحيم
{أَرَأَيْتَ الذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ (7)}
هذه سورة مكية، من قصار المفصل، عُرفت باسم سورة (الماعون).
{أَرَأَيْتَ الذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ }
إلخطاب لرسوله صلى الله عليه وسلم، الذي يتنزل عليه القرآن، ويُخاطَب به، قبل أن يخاطِب غيره، وهو في الوقت ذاته، خطاب لكل عاقل يتأتى خطابه، فهو خطاب لكل مسلم.
وهو – وإن كان في صورة الاستفهام- فإن الغرض بمثله المبالغة في التعجب، كقولك: أرأيت فلانا ماذا ارتكب؟ ولماذا عرَّضَ نفسه؟
{أَرَأَيْتَ الذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ } أرأيت يا محمد، أو أرأيت أيها العاقل، هذا الذي يُكذِّب بالدين، بعد ظهور دلائله، ووضوح بيناته.
والدين يراد منه عدة معان، فالدين هو ما بعث به رسله، وأنزل به كتبه إلى الخلق، ليعبدوه، ويطيعوه، ويتبعوا منهجه، فيجب التصديق به، ولا يجوز تكذيبه.
والدين أيضا هو المعاد والجزاء والثواب والعقاب.
ومن المؤسف حقا أن نجد في الناس في كل عصر، من يكذب بهذا الدين، ومن يصد الناس عنه، ومن يقف في وجه من أُرسل به، من الكفرة والمكذبين، كما قال تعالى: {أَرَأَيْتَ الذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ }، هل عرفت هذا الجاهل الأبله، الذي يُكذب بالدين والجزاء والآخرة؟ إن كنتَ لم تعرفه، فها أنا أدلك عليه، وأهديك إليه .
{فَذَلِكَ الذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ (3)}
هو رجل قاسي القلب، حجري العواطف، لا يلين ولا يرحم، ولا تهمه البطون الجائعة، ولا الأعين الدامعة، ولا القلوب الخاشعة، {فَذَلِكَ الذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ (3)}، فهو يقهر اليتيم، ويدعه ويدفعه بعنف وجفوة، دلالة على انتزاع الرحمة من قلبه، ولا يهتم بأمر المسلمين، وهو الذي لا يفكر في غيره، فلم يعد ينشغل بأمر الناس من حوله، وخصوصا الذين أسكتهم الفقر وأضعفهم، فلا يحض غيره من القادرين، على إطعام المساكين، أن يقوموا بواجبهم ويكفلوهم، ويضمنوا لهم المعيشة المعقولة، الكافية لأمثالهم، وقد أكد القرآن الوصية باليتيم، فقال تعالى في سورة الضحى: {فَأَمَّا اليَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ} [الضحى:9].
وهذا كله من الحفاظ على شخصيته ونفسيته، كما أمر أيضا بالحفاظ على ماله: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الإسراء:34]. وشددت في ذلك الأحاديث النبوية، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئا . وصحَّت في هذا المعنى أحاديث أخرى.
هذا الإنسان الذي فقد هذا العنصر القوي في حياته، وهو عنصر الدين، فقد منه خصلتين مهمتين: التعامل بغلظة وعنف مع اليتيم، الضعيف الذي فقد أباه، ففقد كل ما يسند ظهره، ويشد أزره، وفقد النخوة والعاطفة الحية والقلب الرحيم، الذي جعله لا يهتم بالمسكين، ولا يحض على إطعامه.
والإسلام يرى من الفرائض الدينية الأساسية على الناس جميعا: أن يحض بعضهم بعضا على إطعام المسكين، ولا يجوز أن يضيع المساكين والفقراء في قلب مجتمع مسلم.
وهذه فريضة دينية كالزكاة، أهملها المجتمع، وقد ذكرها القرآن في سورة الماعون، وفي سورة الفجر، {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ} [الفجر:17-18]، وفي سورة الحاقة حيث يحدثنا القرآن عن أهل الشمال، الذين يأخذ أحدهم كتابه بشماله، ويقول: { مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ} [الحاقة:28-34].
الحض على طعام المساكين والفقراء فريضة دينية، لها هذه المنزلة في دين الله، وهذا الحض يوجب على جماعة المسلمين، أن يقيموا جمعيات خيرية إسلامية، تقوم بهذا الأمر، وتتفرغ له، وتجمع من القادرين من المسلمين، ما يسد رمق المحتاجين، ويغنيهم، ولا يدعهم يموتون جوعا بين الناس.
{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5)}
ذكر ابن كثير عن ابن عباس وغيره، يعني المنافقين، الذين يصلون في العلانية، ولا يصلون في السر، ولهذا قال: {للمصلين} أي: الذين هم من أهل الصلاة، وقد التزموا بها، ثم هم عنها ساهون، إما عن فعلها بالكلية، كما قاله ابن عباس، وإما عن نقلها في الوقت المقدر لها شرعا، فتخرجها عن وقتها بالكلية، كما قال مسروق وأبو الضحى.
وقال عطاء بن دينار: والحمد لله الذي قال: {عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} ولم يقل: في صلاتهم ساهون.
وإما عن وقتها الأول، فيؤخرونها إلى آخره دائما أو غالبا. وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به. وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل هذا كله، ولكن من اتصف بشيء من ذلك، قسط من هذه الآية. ومن اتصف بجميع ذلك، فقد تم نصيبه منها، وكمل له النفاق العملي.
{ الذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ }
الذين يؤدون فرائض الله، التي أُمروا بها رياء وسمعة للناس، لا لابتغاء وجه الله سبحانه، والله تعالى لا يقبل من الأعمال، إلا ما كان خالصا لوجهه.
وفي الحديث أن الله تعالى يقول: «من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» .
{وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ }
هذا الصنف من خلق الله، من الذين لا قلوب لهم، تخفق بحب الله، أو برحمة الضعفاء من الناس، أو التعاطف معهم، ومحاولة تسهيل أعمالهم، بمعاونتهم فيما يحتاجون إليه من متاع البيت، وحاجات المجتمعات الصغيرة بعضها مع بعض، كما نقل عن الصحابة وتلاميذهم رضي الله عنهم، من مثل القدر والمنخل، والإبرة، وكل الأدوات التي يعتاد الجيران استعارتها، بعضهم من بعض، وبعدها يردونها إلى أهلها.
سورة الكوثر
بسم الله الرحمن الرحيم
{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ (3)}
هذه أقصر سورة في القرآن الكريم، وهي مكية.
وفيها امتنان من الله عز وجل على رسوله الكريم، بما أعطاه من نعم شتى في الدنيا والآخرة، وهو يذكر له هذه النعم، ليذكره بها، ويذكر أمته معه، حتى لا ينسوها، ويقوم الرسول وأمته بواجب شكرها، فمن حق كل نعمة تُسدى أن تُشكر، وأن يشكر مسديها، ويفرح بها من أعطيها، ويسأل الله له أن يديمها عليه.
{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ}
بهذه الجملة الاسمية المؤكدة بـ(إنَّ) المعبر بضمير الجماعة الحاضر (إنا) دلالة على عظمة المتكلم، فهذا كله يوحي بعظمة المعطِي والمعطَى له وهو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم المُخاطَب، والمعطَى هو ما سماه القرآن بـ(الكوثر).
والكوثر: صيغة مبالغة من الكثرة، ومعناه: الشيء البالغ من الكثرة حد الإفراط. قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم رجع ابنك؟ قالت: رجع بكوثر. وقال الكميت الشاعر:
وأنت كثير يا ابن مروان طيب وكان أبوك ابن العقائل كوثرا
ومن الكوثر الذي أعطاه الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم في الآخرة: ما حدثنا به الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن المختار بن فُلْفُل، عن أنس بن مالك قال: أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة، فرفع رأسه مبتسما، إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه أنزلت عليَّ آنفا سورة». فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ} حتى ختمها، قال: «هل تدرون ما الكوثر؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هو نهر أعطانيه ربي، عز وجل، في الجنة، عليه خير كثير، تردُ عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يُخْتَلَج العبد منهم فأقول: يا رب، إنه من أمتي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك». هكذا رواه الإمام أحمد بهذا الإسناد الثلاثي، وهذا السياق عن محمد بن فضيل، عن المختار بن فلفل، عن أنس بن مالك.
وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دخلت الجنة فإذا أنا بنهر، حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء، فإذا مسك أذفر. قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله، عز وجل».
ورواه أيضا من حديث هشيم، عن أبي بشر وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الكوثر: الخير الكثير. وقال الثوري، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الكوثر: الخير الكثير.
وهذا التفسير يعم النهر وغيره؛ لأن الكوثر من الكثرة، وهو الخير الكثير، ومن ذلك النهر كما قال ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومحارب بن دِثَار، والحسن بن أبي الحسن البصري. حتى قال مجاهد: هو الخير الكثير في الدنيا والآخرة.وقال عكرمة: هو النبوة والقرآن، وثواب الآخرة.وقد صح عن ابن عباس أنه فسره بالنهر أيضا، فقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيب، حدثنا عمر بن عبيد، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الكوثر: نهر في الجنة، حافتاه ذهب وفضة، يجري على الياقوت والدر، ماؤه أبيض من الثلج وأحلى من العسل.
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا عطاء بن السائب، عن محارب بن دِثار، عن ابن عمر أنه قال: الكوثر نهر في الجنة، حافتاه ذهب وفضة، يجري على الدر والياقوت، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل.
وكذا رواه الترمذي عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء بن السائب، به مثله موقوفا. وقد روي مرفوعا فقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن حفص، حدثنا ورقاء قال: وقال عطاء بن السائب، عن محارب بن دِثار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب، والماء يجري على اللؤلؤ، وماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل».
وهكذا رواه الترمذي، وابن ماجة، وابن أبي حاتم، وابن جرير، من طريق محمد ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، به مرفوعا. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُليَّة، أخبرنا عطاء بن السائب قال: قال لي محارب بن دثار: ما قال سعيد بن جبير في الكوثر؟ قلت: حَدثَنا عن ابن عباس أنه قال: هو الخير الكثير. فقال: صدق، والله إنه للخير الكثير. ولكن حدثنا ابن عمر قال: لما نزلت: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، يجري على الدر والياقوت».
ورُوي عن أنس، وأبي العالية، ومجاهد، وغير واحدٍ من السلف: أن الكوثر: نهر في الجنة. وقال عطاء: هو حوض في الجنة.
{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}
أي: كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك النهرُ الذي تقدمت صفته - فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة ونَحْرَك، واعبده وحده لا شريك له، وانحر على اسمه وحده لا شريك له. كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ} [الأنعام:162-163].
وهذا بخلاف ما كان المشركون عليه من السجود لغير الله، والذبح على غير اسمه، كما قال تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام:121].
ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العيد، ثم ينحر نسكه، ويقول: «من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك. ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له». فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله، إني نَسكتُ شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم يشتهى فيه اللحم. قال: «شاتك شاة لحم» [أي: لا تصلح ضحية]. قال: فإن عندي عناقا هي أحب اليَّ من شاتين، أفتجزئ عني؟ قال: «تجزئك، ولا تجزئ أحدا بعدك».
{إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ}
إن مبغضك - يا محمد- ومبغض ما جئت به من الهدى والحق، والبرهان الساطع، والنور المبين، هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع ذكْرُه. وقد عرفنا كيف باد هؤلاء وذهبت آثارهم، ولم يبق من يذكرهم إلا بالسوء.
وقد كثر من مشركي قريش أنهم إذا رأوا أبناء محمد صلى الهر عليه وسلم الذكور يموتون واحدًا بعد الآخر، قالوا: إنه أبتر قد انقطع ذِكره. وحاشا وكلا؛ بل قد أبقى الله ذكره على رءوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمرا على دوام الآباد، إلى يوم الحشر والمعاد. كما قال ابن كثير رحمه الله.
** البقية الجمعة القادمة إن شاء الله