

أكد علماء أهمية دور منظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الوقفية إلى جانب مؤسسات الدولة، منوهين إلى أن الأوقاف من أبدع المؤسسات التي عرفتها الإنسانية، وأنها أبدع ما عرفته الإنسانية من مؤسسات المجتمع المدني.
جاء ذلك خلال الجلسة الثانية من جلسات منتدى «وآمنهم من خوف»، في نسخته التاسعة، مساء أول أمس، الذي تنظمه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، في قاعة الحزم مول بمنطقة حزم المرخية، بمشاركة نخبة من علماء العالم الإسلامي، حيث تناولت الجلسة الثانية «دور مؤسسات المجتمع المدني في صناعة التحصين القيمي».
وقال سعادة الشيخ الدكتور خالد بن محمد آل ثاني مدير عام الإدارة العامة للأوقاف بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن المسمى القرآني لمنظومة القيم المجتمعية هو »العرف»، وهو ما توافق عليه مجموعة من الناس في بقعة من بقاع الأرض على مدى زمن معين، بحيث أصبح أمراً متوارثاً بين الأجيال، ولا يخالف الشرع، مبيناً أن الله -عز وجل- جعل «العرف» من المراجع التي يحتكم إليها، استناداً لقوله تعالى (خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين).
وقال خلال مداخلته بالجلسة: «إن الإسلام لم يقم بترسيخ وتعزيز هذه الأعراف فحسب، وإنما جعلها من الدين وأمر بها»، مشيراً إلى أنه يمكن للمؤسسات الحكومية والأهلية تعزيز هذه الأعراف من خلال تعزيز القيم الرئيسية التي تنبثق عنها، وتعزيز العرف بشكل مباشر عبر تسليط الضوء عليه وتبيان أهميته على الفرد والمجتمع.
ودعا سعادته إلى المحافظة على هذه الأعراف ونقلها من جيل لآخر، نظراً لأهميتها في تعزيز القيم الدينية.
وأكد فضيلة الشيخ الدكتور كمال عكود رئيس شعبة البحوث والإفتاء في موقع الشبكة الإسلامية «إسلام ويب» أن ما يجمع محاور الموضوع هو ماهية مؤسسات المجتمع المدني، موضحاً أنها مؤسسات يُنشئها أفراد أو مجموعات، وهي غير حكومية وغير ربحية، مثل منظمات العمال أو الهيئات الخيرية أو الهيئات الدينية التي تخدم كل منها قضية أو عدة قضايا ولكنها منظمة ومرتبة بحيث يستفيد منها المنتسبون إلى هذه الجمعيات والمؤسسات، وكذلك المجتمع.
وقال د. عكود: إذا ما نظرنا إلى مؤسسات الوقف، التي منذ أن بدأت كانت أبدع ما عرفته الإنسانية من مؤسسات المجتمع المدني، والوقف كان يقوم على العلم والتعليم وعلى الصحة، حتى أن الأوقاف أوقفت على أشياء لا يمكن أن يتخيل الإنسان أنه يوقف عليها، فقد أوقف على الطيور المهاجرة حتى على الأواني لكي يستفيد منها الخدم إذا كسروا بعض الآنية، فإنهم يأخذون منها حتى لا يعاقبوا عند أسيادهم.
ونوه إلى أن مؤسسات المجتمع المدني متمثلة في الأوقاف وغيرها مفيدة للمجتمعات ومفيدة للدول، فبعض الأشياء التي تستطيع أن تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني لا يمكن أن تقوم بها الدولة، كالعلماء في المدارس الإسلامية، ممن كان لكل منهم عشرات الالاف من الطلاب يسمعون كلامه.
وتابع: ومؤسسات المجتمع المدني تساعد في التعليم وتساعد في الصحة وتساعد في التربية وتساعد في تنمية المجتمع، وصياغة الأفكار التي تتسق والمجتمع المدني الذي ينبغي أن يعيش في سلام، ويكون بينه وبين الدولة تشارك لا تنازع وتضاد، وبهذه الصورة كانت مؤسسات المجتمع مهمة، ولذلك كان ينبغي على الدول أن ترعاها وتعطيها الحرية الكاملة في العمل، مع الإشراف عليها.
منطلقات ودوافع
أكد فضيلة الشيخ الدكتور عصام أحمد البشير، أن الرؤية الإسلامية في العمل المدني نستطيع أن نميز بينها وبين الرؤية الغربية في ثلاثة أبعاد، البعد الأول: المنطلقات والدوافع، البعد الثاني: الثمار والنتائج، البعد الثالث: الوسائل والأدوات، مبينا أن الرؤية الإسلامية من حيث المنطلقات في العمل المدني تتميز بأنها ربانية الغاية وإنسانية الامتداد وأخلاقية المضمون والمحتوى وتكاملية العطاء بين الجهد الرسمي والجهد الشعبي المجتمعي، وكذلك تحقق النفعية بمعنى أنها تعود بالخير لبني الإنسان، والتكامل بين وحي الوجدان وقانون السلطان.
وأشار د. البشير إلى أنه من حيث الثمار والنتائج، لا نعول فقط على النتائج المنظورة في الدنيا وإنما نتعداها للنظر كذلك في الآخرة، أما بالنسبة للوسائل والأدوات ضابطنا أن تكون الوسيلة شريفة كشرف الغاية نبيلة كنبلها وليس لدينا القاعدة الميكافيلية.
أثر كبير
تحدث الدكتور كمال قدة عن أهمية «الأوقاف» وأثرها الكبير في حياة المجتمع الإسلامي، مبيناً أن جميع وزارات الشؤون الإسلامية في العالم العربي يرتبط مسماها بالأوقاف، نظراً لما يحققه الوقف كمؤسسة من منافع متعددة.
وقال خلال مداخلته بالجلسة: «إن الأوقاف من أكثر مؤسسات المجتمع المدني التي ظلمت عبر التاريخ، حيث يجري التعامل معها بأسلوب تقليدي وقديم»، مشيراً إلى فشل العديد من المشاريع الوقفية في العالم الإسلامي لسوء التعامل معها.
وشدد قدة على ضرورة إبراز الأوقاف إعلامياً لتعريف شباب اليوم بأهميتها على الفرد والمجتمع، داعيا الأئمة والخطباء للتركيز على هذا الجانب وشرح فضائله.
روافد تنموية
وقال الدكتور محمد عبد الكريم إن العمل المدني والعمل التطوعي صار أهم ما تقاس به ثقافة ورقي المجتمعات والسلوكيات التي تزرع روح التماسك الاجتماعي وتدعم المبادئ الإنسانية والأخلاقية والدينية.
وأضاف: إن العمل المدني هو علامة بارزة على صفاء معدن الإنسان المسلم نجده ماثلا في حياة المسلمين ولا غرو في ذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام علمنا أنه لا يمكن لمسلم أن تطلع عليه شمس يوم دون أن يتصدق بصدقة أو أن يقدم شيئا مفيدا للمجتمع.
وأكد أن كل ما يتعلق بالصدقات له أثر في حياة المسلمين حتى يضعوا بصمة أو يصنعوا أثرا أبقى للإنسان.
وأضاف: عندما نتحدث عن قيام المسلمين بالعمل المدني التطوعي نجد مجالات كثيرة أبدع فيه المسلمون وسجلوا فيها حضورا كمجالات تيسير العبادة وعناية المتطوعين بتعليم الناس بتفقيههم في الدين والعناية ببيوت الله تعالى بتشييدها وتهيئتها كما قال الله « وطهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود «
وأعرب عن أسفه أن العمل التطوعي في بعض المجتمعات المسلمة يقدم لهم كعمل إجباري لا يمكن التراجع عنه دون تهيئة المتطوعين.
وقال إن القوانين يجب أن تساند العمل المدني كما تعمل المؤسسات نفسها على مساندة العمل التطوعي لا أن تكون كمؤسسات ربحية.